والتصور المختل لطبيعة العلاقة بين الدنيا والآخرة ، وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة ، كان انحرافا عن حقيقة الدين ، وعن منهج السلف الصالح الذين فهموا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وأن عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني جزء من العبادة المطلوبة من الإنسان ، وأن العمل للآخرة لايتنافى مع السعي في الأرض:
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (1) .
( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) (2) .
وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم القوم الذين زعموا أنهم يعملون للآخرة بأن يصوموا الدهر ولا يفطروا أو يقوموا الليل ولا يناموا ، أو يعتزلوا النساء فلا يتزوجوا ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم:"ألا إني أعبدكم لله وأخشاكم له ، ولكني أصوم وأفطر ، وأقوم وأنام ، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" (3) .
وقد أدى هذا الانحراف في تصور مقتضيات لا إله إلا الله إلى إهمال العلم بالطب والفلك والكيمياء والفيزياء والرياضيات والجغرافيا وغيرها من العلوم لأنها متعلقة بالأرض ، وبالحياة الدنيا ، فتخلف المسلمون في جميع الميادين .
من هنا يظهر جليا أن التخلف العلمي و"التكنولوجي"والمادي ..إلخ ، الذي كان سببا في الهزيمة العسكرية أمام الغرب قد نشأ أساسا من التخلف العقدي الذي تزايد في حياة المسلمين جيلا بعد جيل ، وتراكم حتى غشّى على العقيدة الصحيحة فلم تعد تتبين من بين الركام ، ولم تعد تعطى شحنتها الحية في حياة المسلمين .
(1) سورة الملك: 15
(2) سورة القصص: 77
(3) أخرجه الشيخان .