وإذا كانت جاهليات أخرى معاصرة لمولد الإسلام وسابقة له ولاحقة قد ركزت على الجانب المادي للحضارة ، وأهملت الآخرة ، وأهملت عالم الروح ، بوصفهما أمورًا شخصية لا علاقة لها بالواقع العملي ، بل بوصفهما - في كثير من الأحيان - معوقات لانطلاق الحضارة ( ! ) وأكبّت على عالم الحس وعالم المادة ، تبدع فيهما كل عبقريتها ، وتصب فيهما كل طاقتها ، بصرف النظر عن القيم والمثل والمبادئ ..
فإن الإسلام - المنزل من عند الله اللطيف الخبير ، خالق الإنسان والعليم بأحواله وحاجاته ، وما يصلحه وما يصلح له - هو المنهج الشامل الكامل ، الذي لا يهمل جانبا من جوانب الإنسان ، ولا يلبي جانبا منه على حساب جانب آخر ، والذي يستجيب للفطرة السوية كما خلقها الله:
( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) (1) .
هذا التكوين الإنساني المترابط ، الذي لا تنفصل فيه قبضة الطين عن نفخة الروح ، ولا نفخة الروح عن قبضة الطين ، له مفهوم حيوي شامل لعالم الجسد وعالم الروح ، وينبغي أن يكون له واقع حيوي يتسم بذات الشمول والترابط المتمثل في تكوين"الإنسان".
والمنهج الرباني هو الذي يرسم خطوط هذا الواقع الحيوي ويرسم تفصيلاته .
والشمول والترابط والتوازن هي أبرز سمات المنهج الرباني .
شمول لكل جوانب الإنسان والحياة البشرية ، وربط وثيق بينها ، وموازنة بين شتى جوانبها .
وتلك عظمة الإسلام ، وتلك مزيته على المناهج الجاهلية التي تحكم حياة الناس في معزل عن العقيدة الصحيحة ، أي في معزل عن لا إله إلا الله ، والتي يشملها قوله تعالى:
( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (2) .
(1) سورة ص [ 71 - 72 ] .
(2) سورة المائدة [ 50 ] .