تاسعًا: جهالات أخرى
قد ذكرنا في أثناء حديثنا عن الردة أدلة صحيحة صريحة على أن حد المرتد هو القتل، وبينا بطلان ما ادعاه الكاتب من أنه لا عقوبة على من ارتد عن الإسلام وأن ذلك الأمر متروك لله سبحانه يحاسب عليه يوم القيامة.
غير أني بعد الفراغ من كتابة ما سبق قد وقفت لنفس الكاتب على ما أسماه دراسة أصولية تاريخية حول حد الردة، نُشرت في مجلة القاهرة العدد (159) الصادر في فبراير 1996، فلما اطلعت عليها تيقنت من جرأة ذلك الرجل على شرع الله عز وجل بالإضافة إلى جهله بكثير من المسائل التي يتجرأ على الخوض فيها.
ولست هنا في مجال تفنيد ما ورد في تلك الدراسة، ولكني أشير فقط إلى شيء يسير مما ورد فيها يبين صحة ما أقول.
فهو على سبيل المثال يتعرض لحديثين من الأحاديث التي جاء فيها النص على قتل المرتد وهما حديث ابن عباس (من بدل دينه فاقتلوه) ، وحديث ابن مسعود (لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث ... ) ، ويرد الكاتب هذين الحديثين بأدلة واهية عجيبة.
1)فمما ذكره في ذلك أنه يتهم الأوزاعي رحمه الله بأنه هو الذي اخترع حديث (لا يحل دم امريء مسلم ... ) ، هذا مع أن سند الحديث عند البخاري ومسلم وغيرهما ليس فيه ذكر للأوزاعي، ولكنه يستدل على مقولته تلك بما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية من أنه لما دخل الأوزاعي على عبد الله بن علي عم السفاح، سأله عبد الله عدة أسئلة منها السؤال عن دماء بني أمية؟ فقال له الأوزاعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث ... ) الحديث.
واستدلال الكاتب بهذا الموقف استدلال باطل لا يحتاج إلى رد، فهل يكفي استشهاد رجل بحديث في موقف على أنه وضعه واخترعه؟!
يقول الكاتب: إن الأوزاعي اخترع هذا الحديث لكي يرضي بني العباس ويسوغ لهم ما كانوا يفعلونه من قتل الأمويين.
وادعاء الكاتب هنا من أبطل الباطل فإن سياق القصة كما أورده ابن كثير (37) يدل على أن الأوزاعي يريد أن ينكر عليه قتل الناس بغير حق كأنه يقول له: إنْ كان في بني أمية من فعل شيئًا من هذه الثلاثة فاقتلوه، وإلا فلا يحل لكم سفك دمائهم، وهو يعلم أن بني العباس لم يكونوا يكفرون بني أمية، بدليل أن أول سؤال وجهه له عبد الله بن علي هو: (( ما ترى في ما صنعنا من إزالة أولئك الظلمة عن العباد والبلاد ) )، فسماهم ظلمة ولم يجرؤ على أن يقول أولئك الكفرة، فهذا موقف يحسب للأوزاعي لا عليه، ومما يقوي ذلك أيضًا أنه سأله بعد ذلك عن أموال بني أمية، فقال له الأوزاعي: (( إن كانت في أيديهم حرامًا فهي حرام عليك أيضًا، وإن كانت لهم حلالًا فلا تحل لك إلا بطريق شرعي ) ).
فإذا كان الأوزاعي لم يحل له أموالهم بغير حق أفيخترع له حديثًا يحل له به دماؤهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
والقصة التي ذكرها ابن كثير ذكرها شيخه الذهبي بسنده في تذكرة الحفاظ بسياق أكثر بيانًا لما ذكرناه من سياق ابن كثير، إذ جاء فيها أن عبد الله سأله عن دماء بني أمية فقال له: (( قد كان بينك وبينهم عهود، وكان يجب أن تفوا بها، قال ويحك اجعلني وإياهم لا عهد بيننا، فأجهشت نفسي وكرهت القتل فذكرت مقامي بين يدي الله فلفظتها فقلت: دماؤهم عليك حرام، فغضب وانتفخت أوداجه واحمرت عيناه فقال لي ويحك ولم؟ قلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: ثيب زانٍ ونفس بنفس وتارك لدينه ... ) ) (38) .
وإذن فقد اتضح الأمر وظهر جليًا أن ذكر الأوزاعي للحديث إنما جاء في معرض بيان حرمة دماء المسلمين، أي على النقيض مما ادعاه الكاتب - عليه من الله ما يستحقه.