ثامنًا: تأصيل دعوى الحسبة
وإذ فرغنا من بيان معنى الحسبة في الإسلام وأنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبينا حكم الإسلام في المرتدين، فإننا نريد في السطور التالية أن نسلط الضوء على الأصل الشرعي للقضية التي كانت وراء كل هذا الذي قيل، ونعني بها قضية دعوى الحسبة.
والمقصود بدعوى الحسبة أن يتقدم شخص - حسبة لله تعالى - إلى القاضي فيشهد بما رآه أو علمه من منكر طالبًا تغييره، وهذا نوع من تغيير المنكر باللسان الذي دل عليه حديث أبي سعيد الخدري: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه ... ) إلخ.
بل إن في هذه الجزئية بالذات حديثًا خاصًا، وهو ما رواه زيد بن خالد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أنبئكم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها) (33) .
قال النووي رحمه الله: (( وفي المراد بهذا الحديث تأويلان أصحهما وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعي أنه محمول على من عنده شهادة لإنسان بحق ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له، والثاني أنه محمول على شهادة الحسبة، وذلك في غير حقوق الآدميين المختصة بهم، فمما تقبل فيه شهادة الحسبة الطلاق والعتق والوقف والوصايا العامة والحدود ونحو ذلك، فمن علم شيئًا من هذا النوع وجب عليه رفعه إلى القاضي وإعلامه به، والشهادة واجبة؛ قال تعالى: {وأقيموا الشهادة لله} ، وكذا في النوع الأول يلزم من عنده شهادة لإنسان لا يعلمه أن يعلمه إياها لأنها أمانة له عنده ) ) (34) .
وفي مذهب أبي حنيفة أن الشهادة حسبة بلا دعوى تقبل في حقوق الله تبارك وتعالى كأسباب الحرمات من الطلاق وغيره وأسباب الحدود الخالصة حقًا لله تعالى (35) .
ولكن يشترط في ذلك كله أن يكون القاضي الذي يرفع إليه الأمر حاكمًا بما أنزل الله، وإلا لم تجز الشهادة عنده، لأن الأصل في الحسبة أنها جزء من شرع الله فلا يتلاعب بها برفع الأمر إلى من يحكم بغير شريعة الله، وقد سُئل الأمام أحمد عن الرجل يُرى منه الفسق والدعارة وينهى فلا ينتهي يرفعه إلى السلطان؟ فقال: إن علمتَ أنه يقيم عليه الحد فارفعه (36) .
(33) أخرجه مسلم (1719) وأبو داود (3569) والترمذي (2297) وابن ماجه (2364) ومالك (2/ 720) .
(34) شرح صحيح مسلم (6/ 258) .
(35) بدائع الصنائع للكاساني (9/ 4048) .
(36) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال ص: 40.