أقر مجلس الشعب المصري عام 1996 قانونًا يمنع الأفراد من رفع دعاوى الحسبة في المحاكم ...
ومن الناحية القانونية فإن حق الأفراد في رفع دعوى الحسبة كان معمولًا به في المحاكم الشرعية قبل إلغائها، فلما ألغيت انتقل ذلك المبدأ إلى محاكم الأحوال الشخصية، والتي تختص بقضايا الأسرة من زواج وطلاق وإرث ونحوه، وهو الجانب الوحيد الذي تطبق فيه أحكام الشريعة وإن كان لم يسلم أيضًا من عبث العابثين؛ بسن قوانين مخالفة لأحكام الشريعة فيه.
والمقصود من هذا المبدأ أنه من حق أي فرد أن يرفع دعوى قضائية ضد أي شخص يرى أنه قد خالف أحكام الشريعة في مجال الأحوال الشخصية، حتى ولو لم تكن للمدعي مصلحة مباشرة في رفع تلك الدعوى، ولا هناك مضرة تلحقه من ارتكاب ذلك الشخص لتلك المخالفة.
واستنادًا إلى هذا المبدأ قام بعض الإسلاميين في مصر برفع دعوى حسبة من أجل التفريق بين مدرس جامعي وزوجته؛ وذلك لردة هذا الرجل عن الإسلام، وقد صدر الحكم فعلًا بالتفريق بين الزوجين، وقيل إن هناك دعاوى أخرى من هذا القبيل سترفع على آخرين من أمثال هذا المدرس الجامعي، مما حدا بالحكومة المصرية إلى أن تسرع بسن القانون المشار إليه.
وفي غمرة الحديث عن دعاوى الحسبة والتفريق بين الأزواج، وتمهيدًا لصدور القانون المشار إليه فإن أجهزة إعلام النظام المصري قد ملأت الجو ضجيجًا حول الموضوع وراح الكل يتكلم فيما لا يحسنه، وظهرت أقلام مسمومة تصل في غلوائها إلى حد التعدي على مبدأ إسلامي أصيل هو مبدأ الحسبة الشرعية الذي هو كما قال أبو حامد الغزالي - بحق: (( القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ) ) (1) .
ونكتفي هنا بالإشارة إلى ما نشرته مجلة المصور في عددها الصادر في 26/ 1/1996م تحت عنوان: ليس للحسبة أصل في الإسلام، حيث قالت إنه بحث كتبه لها الدكتور: أحمد صبحي منصور (2) ، وهو مدرس تاريخ سابق بجامعة الأزهر تم فصله بسبب آرائه الشاذة وإنكاره للسنة النبوية الشريفة.
وسبب اختيارنا لهذا الموضوع هو الصورة العلمية الزائفة التي أراد الكاتب أن يظهر بها تلك الصفحة التي نشرها في المصور زاعمًا أنها بحث علمي وهي في الحقيقة لا تحتوي على شيء من مظاهر البحث العلمي الجاد.
إن هذا الكاتب يزعم أن الحسبة بمعناها المعروف عند الفقهاء ليس لها أصل في الإسلام، لا في القرآن ولا في السنة ولا في أقوال الفقهاء القدامى، فهو وإن كان يعترف بورود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن، إلا أنه يفسره تفسيرًا سقيمًا يسلب عن تلك الشعيرة معناها الإيجابي فيقصرها على مجرد النصح القولي ثم الإعراض عن صاحب المنكر.
أما السنة حسب مفهومه فليس للحسبة فيها أصل لا من حيث الاصطلاح ولا من حيث المعنى المقصود وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكذلك الفقهاء القدامى يزعم الكاتب أنه ليس للحسبة ذكر في فتاواهم، ويقف تحديدًا عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة ومالك والشافعي، فيذكر أنه ليس للحسبة أصل في أقوالهم وأنهم لم يقولوا بالتفريق بين الرجل وزوجه بسبب الردة.
ونحن نبين - بمشيئة الله تعالى - مدى جهل هذا الكاتب وتلبيسه من خلال عرضنا لقضية الحسبة في الإسلام، فنقول وبالله التوفيق ...
(1) إحياء علوم الدين (2/ 306) .
(2) كان أحمد صبحي منصور شريكًا لفرج فودة في تأسيس ما سمي بحزب المستقبل الذي لم يتم التصريح به، كما أن له علاقة مشبوهة بالمدعو: محمد رشاد خليفة الذي كان قد ادعى النبوة في أمريكا ثم أهلكه الله. (ينظر تفصيل ذلك في كتاب: من قتل فرج فودة؟ للدكتور: عبد الغفار عزيز ص: 55) .