الصفحة 2 من 79

أرى قبل البدء في ما نحن بصدده أن أشير إلى أمرين أراهما وثيقي الصلة بموضوع هذه الدراسات:

1)أما الأمر الأول فيتعلق بقضية المصطلحات ووجوب تحديد المقصود منها ذلك أننا تعلمنا من علمائنا أنه لا مشاحة في الاصطلاح، وكان مقصود أهل العلم من ذلك أن العبرة بالمسمى لا بمجرد الاسم، فحينما يكون هناك عقد شركه مثلًا ينص على أن يساهم شخص بعمله والآخر بماله والربح على ما اصطلحا عليه، فإن هذا العقد صحيح إذا ما استوفيت شروط معينة، ولا يضر بعد ذلك أن يُسمِّيَه أهلُ الحجاز قراضًا بينما يسميه أهل العراق مضاربةً.

غير أن هذه القاعدة صارت تستعمل الآن في غير موضعها؛ فعلى سبيل المثال تجد من الإسلاميين من ينادى بالنظام الديمقراطي زاعما أن الإسلام لا يمنع مثل هذا النظام، فإذا سألته عن الديمقراطية التي يجيزها الإسلام راح يشرح لك قواعد الشورى الإسلامية لتكتشف أن تلك الديمقراطية الجائزة ليست هي الديمقراطية التي نعرفها في كتابات الغربيين وواقعهم، ويبقى بعد ذلك أن لبسًا كبيرًا قد حدث عند طائفة من الناس لم يأخذوا من الفتوى إلا عنوانها الذي يجيز الديمقراطية دون نظر إلى مضمونها.

ولو أنصف الكتاب والعلماء لرجعوا إلى الاصطلاحات الشرعية، فإن (( التعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية، هو سبيل أهل السنة والجماعة ) ) (1) ، كما قال شارح الطحاوية، وليس يعني ذلك أن نهجر كل مصطلح جديد فإن (( السلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه اصطلاحًا جديدًا على معان صحيحة ... بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق ) ) (2) ، والواجب حينئذ أن نتوقف في هذه الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها في النصوص الشرعية فلا تطلق (( حتى ينظر في مقصود قائلها فإن كان معنى صحيحًا قبل لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد والحاجة ) ) (3) .

وهذه النصوص التي نقلناها تبين لنا كيف كان علماؤنا يهتمون بتحديد معاني المصطلحات قبل الحكم عليها وكيف كانوا يتحاشون الألفاظ المجملة التي قد يحمل معناها حقًا وباطلًا فكيف إذا كان اللفظ يحمل في أصل معناه محادة الله ورسوله كما سيأتي بمشيئة الله عند الحديث عن الديمقراطية؟

2)وأما الأمر الثاني الذي أود التنبيه إليه؛ فيحسن أن أستعير له مقولة الإمام أحمد: (( لا نزيل عن الله صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين ) ) (4) .

وكان مقصوده رحمه الله الرد على أهل البدع الذين يفترون على أهل السنة مثبتة الصفات فيرمونهم بأنهم مشبهة مجسمة، فبين رحمه الله أنه مهما شنع بنا المشنعون فلن نتردد في إثبات ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تشبيه ولا تكييف ولا تحريف ولا تأويل.

ووجه استعارة هذا القول هنا أنك لا تزال تطالع بين الفينة والفينة كتابات يتولى كبرها قوم من العلمانيين وفلول الشيوعيين تمارس على دعاة الحق نوعًا من الإرهاب الفكري، يهدف إلى منعهم من الصدع بالحق وبيان حكم الله في ما تموج به حياتنا من خروج على الشرع الحنيف؛ فكلما بيَّن عالم أو طالب علم حكم الله في شيء من هذه الأمور المخالفة لشرع الله انبرى له هؤلاء القوم متهمين إياه بأنه يكفِّر المسلمين وأنه أصولي متطرف يحمل فكر الخوارج، إلى غير ذلك من التشنيعات والأكاذيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت