إن النقطة الثانية التي نرفض لأجلها الديمقراطية هي موضوع التعددية الحزبية بما تعنيه من إفساح المجال لكل من شاء أن يشكل حزبا، فإنه وإن كانت النقطة الأولى كافية في هدم بناء الديمقراطية باعتبارها مسألة عقدية إلا أنه لا يمكن إغفال قضية الأحزاب عند الحديث عن الديمقراطية فنحن نعلم أن حرية تكوين الأحزاب سمة أساسية من سمات الأنظمة الديمقراطية الغربية، اللهم إلا في تلك الصورة المباشرة من الديمقراطية والتي انتهت ولم يعد لها وجود إلا في بعض مقاطعات سويسرا وبعض المدن الصغيرة في ولاية (نيو انجلند) الأمريكية (7) .
وإذا كانت حرية تكوبن الأحزاب مكفولة في ظل النظام الديمقراطي فإن السؤال الذي نوجهه للمنادين بالديمقراطية من الإسلاميين هو: هل توافقون على تشكيل حزب ماركسي أو علماني في الدولة الإسلامية الديمقراطية التي تنشدونها؟
وقد كنت أظن الإجابة عن هذا السؤال سهلة ومحددة حيث لا مفر أمام الإسلاميين من القول بأن الإسلام لا يجيز تكوين حزب من هذا القبيل؛ إذ كيف يسمح في مجتمع مسلم أن يقوم حزب يطالب بالردة عن دين الله؟ وأرجو أن لا يستغرب البعض قولي هذا فإن هذا الذي يدعو إليه الماركسيون والعلمانيون ما هو إلا ردة عن شرع الله إذ قد بينا من قبل أن من دعا إلى نبذ شريعة الله وتحكيم أهواء البشر فقد دعا إلى الكفر ومن دعا مسلمًا إلى كفر فقد دعاه إلى الردة عن دينه، ونحن وإن كنا لا نكفر كل مسلم انتمى لتلك الأحزاب الكفرية لاحتمال قيام مانع كجهل ونحوه فإننا نقول: إنه لا يجوز لنا أن نتردد في الحكم على فكرهم وأقوالهم المناقضة لشرع الله بأنها كفر، كما بين العلماء في التفرقة بين إطلاق القول بأن من فعل كذا فقد كفر، وبين تكفير الشخص المعين الذي فعل ذلك الفعل، حيث لا يكفر الشخص المعين إلا بتوافر شروط وانتقاء موانع (8) ، والواجب في دولة المسلمين أن يناقش هؤلاء الذين يفعلون كفرا أو يقولون كفرا وأن يبين لهم الأمر فإن أصروا بعد الحجة والبيان فحكم المرتد معروف: (من بدل دينه فاقتلوه) (9)
وعلى نفس المستوى تكون الإجابة لو كان السؤال عن حزب نصراني مثلا فإنه ليس لهم أن يكونوا حزبا يطلبون من خلاله أن يحكموا المسلمين لأنه لا يجوز أن يحكم المسلمين غير مسلم، ولأن هؤلاء سيعرضون برنامج حزبهم بما يتوافق مع معتقداتهم الباطلة ثم يطلبون من الناس انتخابهم وإقرارهم على باطلهم هذا، والكافر الأصلي وإن كان يقر على كفره ويكون له بموجب عقد الذمة أن نحميه وندافع عنه إذا ما أدى ما عليه من الواجبات التي يلزمه إياها عقد الذمة فإنه ليس من حقه أن يطالب بأن يكون له الحكم في بلاد المسلمين.
هذه الإجابة ما كنت أظن أن سيكون عليها خلاف بين من يحتكمون جميعًا إلى النصوص الشرعية، وعليه كنت سأقول كما قلت في النقطة الأولى: إذن ليس ما تدعون إليه ديمقراطية بالمعنى المعروف للديمقراطية، هكذا كنت أظن ولكن ملخصًا نشره الأستاذ فهمي هويدي لندوة عقدت بالقاهرة شارك فيها بعض الإسلاميين حول هذه القضية أصابني بخيبة أمل شديدة.
فإنَّ هناك من قال: (( إننا لا نستطيع أن نمنع تيارًا سياسيا قائمًا في زماننا علمانيًا كان أم ماركسيا لمجرد أنه يتعارض مع ما يتصوره البعض للإطار الإسلامي، وليكن صندوق الانتخابات هو الحكم بيننا ) ) (10) . هكذا قيل وكأن الخلاف بين الإسلام والماركسية عند هؤلاء كالخلاف بين الشافعية والحنابلة. وهناك من قال إنه (( طالما التزم الجميع بقطعيات الشريعة فضلًا عن العقيدة فلتتعدد الأحزاب ولتختلف علمانية كانت أم قومية أو ماركسية وليتنافس الجميع لأجل الصالح العام ) ) (11) .