الصفحة 10 من 79

وكان رأي الكاتب أنه يكفى في ذلك الالتزام بالعقيدة فقط، وفرَّق بين فريقين من العلمانيين والماركسيين فهناك فريق يخاصم الدين والعقيدة فهؤلاء لا مكان لهم، وهناك فريق آخر هم مؤمنون موحدون بالله ولكن لديهم تحفظات على علاقة الدين بالسياسة، وفيهم شرفاء اتخذوا موقفهم ذلك دفاعًا عن قيم شريفة كالحرية والديمقراطية والمساواة، وهؤلاء في نظر الكاتب ينبغي أن يقبلوا ضمن الخريطة السياسية وأن يعترف لهم بالوجود والشرعية والحق في المشاركة (12) .

والأدهى من ذلك أنه افترض في مقال آخر أن يكون الإسلاميون قد وصلوا إلى الحكم في بلد ما، ثم في الانتخابات التالية فاز بالأغلبية تيار علماني يتبنى الفصل بين الدين والسياسة فماذا يجب على الإسلاميين حينئذ؟ وكانت إجابته السريعة أنه يتعين على الإسلاميين أن يسلموا السلطة إلى الفريق الذي اختاره الشعب، ثم ذكر أنه استفتى الشيخ القرضاوي فأجابه بأنه (( ما دام الإسلاميون قد وصلوا إلى السلطة وملكوا أدواتها ثم فقدوا ثقة الناس فإن هذا يعني أن ثمة قصورًا شديداُ في آدائهم ينبغي أن يتحملوا المسئولية عنه وأن يتركوا السلطة لغيرهم ممن أولاهم الناس ثقتهم ) ) (13) .

وهذه الأقوال كلها لا تستند إلى دليل صحيح من كتاب أو سنة أو إجماع، وعلى أصحابها أن يراجعوا أنفسهم وأن لا يسمحوا لضغط الواقع المرير أن يؤثر على الرؤية الشرعية التي يجب أن تستند أولًا وقبل كل شيء إلى الدليل الشرعي. فأما القول بأنه طالما التزم الجميع بقطعيات الشريعة فضلًا عن العقيدة فلتتعدد الأحزاب ... الخ، فإني أقول لصاحبه: إن الشيوعي أو العلماني أو غيره ما دام قد التزم بالعقيدة وبقطعيات الشريعة فإنه لن يكون شيوعيًا ولا علمانيًا؛ لأنه قد التزم الإسلام منهجًا للحياة وهذا ما تقرره العقيدة وقطعيات الشريعة، بل أقول إن صاحب هذا الحزب سيصير إسلاميا قد يختلف مع إخوانه الآخرين في بعض الفروع لكنه لا يمكن بحال أن يسمى شيوعيا أو علمانيا. وأما القول بأنه يكفى أن يلتزم الجميع بالعقيدة فإني أسأل صاحبه: وما العقيدة في نظرك؟ أهي أن يقر الناس بأن هناك ربا خلق هذا الكون وأنه سبحانه الرازق المحيى المميت .. ؟، إن كنت تعنى ذلك فمشركو العرب كانوا يقرون بذلك كما قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلتَهُم مَّن خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرضَ لَيقَوُلُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِِيزُ العَليِمُ} (الزخرف: 9) .

أما العقيدة بمعناها الصحيح فتشمل توحيد الألوهية والذي من مفرداته أنه لا حكم إلا لله وقد بينا من قبل كيف نفى الله الإيمان عمن لم يحتكم إلى شريعة الله ونقلنا الإجماع على كفر من احتكم إلى غير شرع الله، ومتى اعتقد أهل حزب معين أنه لا حكم إلا لله فقد خرجوا عن اسم العلمانية أو الشيوعية وصاروا إسلاميين.

وأما التفرقة بين العلمانيين الرافضين للشريعة والآخرين الذين يسميهم الكاتب مؤمنين موحدين ولكن لهم بعض التحفظات على الشريعة فإننا نقول: ما دام هؤلاء القوم مؤمنين موحدين فما الذي يخوفهم من إقامة شرع الله؟ إن المؤمن الموحد لا يمكنه أبدًا أن يتخوف من شرع الله عز وجل، وتحفظ هؤلاء على علاقة الدين بالسياسة يخشى أن يكون معناه أنهم يتخوفون من حكم الله ورسوله، وهذا من الحرج الذي نفى الله عز وجل الإيمان عن أصحابه في قوله تعالى: {فلا وربكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِم حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيمًا} (النساء: 65) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت