والكاتب يفتري على الإمام الأوزاعي رحمه الله زاعمًا أنه كان يمثل فقيه السلطة الذي يفتي لها بما تريد في العصرين العباسي والأموي، وأنه قد استطاع أن يخدع الناس بادعاء الزهد والتقوى، إلى غير ذلك من الافتراءات التي افتراها على هذا الإمام العظيم الذي أجمع المسلمون على عدالته وإمامته كما ذكر الحافظ ابن كثير (39) ، (( وقال مالك: كان الأوزاعي إمامًا يقتدى به، وقال سفيان بن عيينة وغيره: كان الأوزاعي إمام أهل زمانه، وقد حج مرة فدخل مكة وسفيان الثوري آخذ بزمام جمله ومالك بن أنس يسوق به، والثوري يقول: افسحوا للشيخ، حتى أجلساه عند الكعبة وجلسا بين يديه يأخذان عنه ) ) (40) .
فإذا كان الأوزاعي قد بلغ من دهائه وخبثه - حسب ادعاء الكاتب - أن يخدع مالكًا والثوري وابن عيينة وغيرهم من أهل العلم والفضل في عصر الأوزاعي ومن بعده، فهل يدلنا الكاتب الألمعي على الطريقة العجيبة التي استطاع هو بها أن يكشف خداع الأوزاعي وزيفه الذي لم يستطع أحد أن يكشفه طيلة تلك القرون الماضية؟
ويستمر الكاتب في افترائه وتدليسه فيقول: (( وقد ظلت هيبة الأوزاعي في الشام تحتل قلوب أهله حتى إن الذهبي في الميزان تحرج من نقد الأوزاعي في ترجمته له واكتفى بأن يقول عن مسرور بن سعيد راوية الأوزاعي: غمزه أي هاجمه وطعن فيه ابن حبان فقال يروي عن الأوزاعي المناكير الكثيرة، أي أن الأوزاعي يروي الأحاديث المنكرة ) ).
والحق إن الإنسان ليعجب أشد العجب من جرأة هذا الرجل وأمثاله على الغش والتدليس، وذلك أن من يقرأ هذا الكلام يظن أن الذهبي كان يود أن يقدح في الأوزاعي ولكنه تهيب الأمر لمكانة الأوزاعي في قلوب الناس، بينما الصحيح أن الذهبي قد مدحه وأثني عليه فقال: (( إمام ثقة وليس هو في الزهري كمالك وعُقيل ) ) (41) فالذهبي قد وصف الأوزاعي بأنه إمام ثقة، وقوله إنه ليس في الزهري كمالك وعقيل ليس قدحًا فيه، بل هو يقصد أنهما أثبت منه في الرواية عن الزهري، مع كونه هو ثقة أيضًا، وهذا عند علماء الحديث لا يعد جرحًا فضلًا عن أن يوحي بشيء مما أراد الكاتب أن ينسبه للأوزاعي رحمه الله، ولو كان الأمر كما أراد الكاتب أن يوهمنا لما أورده في تذكرة الحفاظ ولما سماه هناك شيخ الإسلام (42) .
ثم إن الكاتب يورد كلمة قيلت في أحد الرواة عن الأوزاعي وهي قول ابن حبان عن مسرور: (( يروي عن الأوزاعي المناكير ) )ليستدل بها على أن الأوزاعي نفسه كان يروي أحاديث منكرة، وهذا من الكاتب جهل شنيع فهل كل من رويت عنه المناكير يقال فيه إنه يروي أحاديث منكرة؟ وهل إذا قلنا إن فلانًا يروي عن عمر رضي الله عنه أحاديث منكرة يكون عمر نفسه راويًا لأحاديث منكرة؟، وإنما قصد ابن حبان الطعن في ذلك الراوي لا في الأوزاعي، وقد ذكر ابن حبان أبا عمرو الأوزاعي في الثقات وقال: (( وكان من فقهاء الشام وقرائهم وزهادهم ومرابطيهم ) ) (43) .
2)ومما سود به الكاتب دراسته المزعومة قدحه في الإمام البخاري رحمه الله الذي اتفقت الأمة على إمامته وعدالته وعلى أن كتابه أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل، ومن افتراءاته في ذلك قوله عن البخاري رحمه الله: (( وجعله الذهبي ضمن الضعفاء والمتروكين في كتابه الذي يحمل نفس الاسم ) ).