والكاتب يزعم أنه لا يصح لأحد أن يفرق بين رجل وامرأته، وأن من فعل ذلك فهو داخل تحت قوله تعالى عن السحرة {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} (البقرة: 102) ، ويقول: (( وهذا ينطبق على من يفعل ذلك تحت أي شعار ) )، كما يقول: (( .. ليس في القرآن أن يتدخل أحد للتفريق بين الزوجين فهذا عمل شيطاني كما أشارت إليه سورة البقرة ) ).
وهذا كلام تغني حكايته عن تكلف الرد عليه، وإنما ذكرناه لبيان تهافت هذا الكاتب وأمثاله، وإلا فما علاقة التفريق الشرعي الذي يقوم به القاضي عند توافر دواعيه بما يفعله السحرة من محاولة إفساد الحياة الزوجية بإيقاع البغض بين المرء وزوجه أو التأثير في مسألة الجماع بينهما أو غير ذلك؟
ثم إن الكاتب يزعم أنه ليس لمسألة التفريق بين الزوجين أصل في كلام الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي، وإنما انفرد بذلك الحكم الإمام أحمد بن حنبل، ويقول في ذلك: (( ومع التفصيلات المطولة في موسوعة الأم فإن الشافعي لم يتعرض للتفريق بين رجل(يعلن إسلامه ويتهمه الآخرون في دينه) وبين زوجته وانصب حديثه على المرتد الذي يعلن ارتداده أو يهرب إلى بلاد الكفر تاركًا زوجته )).
وأقول: ليس صحيحًا أن الإمام أحمد قد انفرد بهذا الحكم، بل هو ثابت عن غيره من الأئمة فضلًا عن ثبوته بالكتاب والسنة كما أسلفنا.
ونحن نذكر هنا شيئًا من كلام الأئمة يبين صدق ما نقول:
فالإمام الشافعي رحمه الله يفرق بين الطلاق والفسخ فيبين أن الطلاق هو: (( ما ابتدأه الزوج فأوقعه على امرأته بطلاق صريح أو كلام يشبه الطلاق يريد به الطلاق وكذلك ما جعل لامرأته من أمرها فطلقت نفسها أو إلى غيرها فطلقها فهو كطلاقه لأنه بأمره ) ) (29) ، ثم يعرف الفسخ بأنه (( كل ما حكم فيه بالفرقة وإن لم ينطق بها الزوج ولم يردها، وما لو أراد الزوج أن لا توقع عليه الفرقة أوقعت، فهذه فرقة لا تسمى طلاقًا؛ لأن الطلاق ليس من الزوج وهو لم يقله ولم يرضه بل يريد رده ) ) (30) .
فهذا كلام صريح في أن هناك فرقة تقع من غير رضا الزوج، ومنها أن يفرق القاضي بين الزوجين لارتداد أحدهما، ولذلك فقد ذكر الشافعي بعد ذلك أمثلة للفسخ الذي يقع بغير رضا الزوج قال في نهايتها: (( فهل من تفرقة غير هذا؟ قلت: نعم ردة أحد الزوجين أو إسلام أحدهما والآخر مقيم على الكفر، وقد حرم الله على الكافرين أن يغشوا المؤمنات وعلى المؤمنين غشيان الكوافر سوى أهل الكتاب، وليس واحد منهما فراقًا من الزوج، هذا فسخ كله ) ) (31) .
وهذا واضح في التفريق بين الزوجين بسبب ردة أحدهما، وليس فيه اشتراط هروب المرتد إلى دار الكفر؛ لأن الإمام رحمه الله قد استدل بأن الله حرم على الكافرين غشيان المؤمنات وعلى المؤمنين غشيان الكوافر، ومعنى ذلك أن الكلام منصب على حالة يوجد فيها الزوجان معًا فيتم التفريق بينهما لكون أحدهما مؤمنًا والآخر كافرًا، بل قد صرح الشافعي بهذا الذي قلناه وذلك حيث قال بعد أن ذكر انقطاع الزوجية بإسلام أحد الزوجين وبقاء الآخر على كفره: (( ولم أعلم مخالفًا في أن المتخلف عن الإسلام منهما إذا انقضت عدة المرأة قبل أن يسلم انقطعت العصمة بينهما وسواء خرج المتخلف منهما من دار الحرب وأقام المتخلف فيها، أو خرج المتخلف عن الإسلام، أو خرجا معًا، أو أقاما معًا، لا تصنع الدار في التحريم والتحليل شيئًا، إنما يصنعه اختلاف الدين ) ) (32) .