سابعًا: قضية التفريق بين المرتد وزوجه
هذه القضية فرع على قضية الردة التي تحدثنا عنها آنفًا؛ فمتى ثبتت الردة فإن التفريق أثر من آثارها؛ لأنه لا يحل لامرأة مسلمة أن تبقى تحت رجل كافر، والأصل أن المرتد يقام عليه حد الردة وهو القتل، لكن إن لم يُقدر عليه لفراره أو لأي سبب من الأسباب فإن آثار الردة الأخرى يجب إعمالها، وذلك مثل منع التوارث بينه وبين المسلمين والتفريق بينه وبين زوجته المسلمة.
والدليل على وجوب التفريق بين المرتد وزوجه المسلمة قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر ... } (الممتحنة:10) .
فهذا نص قاطع في وجوب التفريق بين الزوجين بسبب كفر أحدهما، وقد قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (( هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين ) ) (27) .
وقد أراد صاحب المقالة المشار إليها أن يجعل الحالة التي نزلت فيها هذه الآية حالة خاصة وذلك حيث يقول: (( وهناك حالة استثنائية بالغة الخصوصية تعرض لها المسلمون وأعداؤهم بعد الهجرة؛ فقد هاجر رجال مسلمون للمدينة ورفضت زوجاتهم الهجرة تمسكًا بالدين والوطن، وهاجرت نساء مؤمنات للمدينة وتركن أزواجهن تمسكًا منهن بالإسلام وأصبحت المدينة ومكة في حالة حرب وتم الانفصال الفعلي بين أولئك الرجال والنساء ... وكان لابد من تشريع يتحول به الانفصال الفعلي إلى فراق شرعي حتى تتزوج المسلمات في المدينة والمشركات في مكة ونزل حكم الله بأن يدفع الرجال مهور النساء للأزواج السابقين حتى يتزوجوا من أولئك النساء وأن يسري ذلك على المؤمنين والمشركين ويبدأ زواج جديد ومستقبل جديد لأولئك النسوة في مكة والمدينة ولولا حالة الحرب والقطيعة ما احتاج المسلمون والمشركون لهذا التشريع ) ).
وهذا من أبطل الباطل وأبعده عن الحقيقة؛ وذلك أن هذه الآية بالذات إنما نزلت بعد صلح الحديبية أي في وقت لم تكن هناك حالة حرب قائمة بين المسلمين والمشركين، وقد كان من شروط صلح الحديبية أنه من أتى المدينة من أهل مكة ولو كان مؤمنًا فإن على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرده إلى مكة، فجاءه صلى الله عليه وسلم نساء مؤمنات، فأنزل الله عز وجل في شأنهن هذه الآية مبينًا أن هؤلاء النسوة المؤمنات لا يُرجعن إلى الكفار، إما لأن الحكم لا يشملهن من حيث الأصل لأنه خاص بالرجال، وإما على سبيل التخصيص فكأن الآية جاءت مخصصة لعموم شرط الإرجاع فجعلته خاصًا بالرجال دون النساء بعد أن كان شاملًا لكليهما.
والمقصود أن هذه الآية إنما نزلت في وقت الصلح مع المشركين كما جاء في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في قصة الحديبية: ( ... ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} ، حتى بلغ: {بعصم الكوافر} فطلق عمر يومئذ امرأتين كانت له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية ... ) (28) .
فتبين من ذلك بطلان ما ادعاه الكاتب من أن حالة الحرب هي التي استدعت التفريق المذكور في الآية الكريمة.
ثم إن الآية الكريمة قد بينت أن العلة في التفريق هي قضية الكفر والإيمان كما هو واضح من قوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} ، فالكلام كله حول الكفر والإيمان ولم تتعرض الآية من قريب أو بعيد لقضية الحرب التي يدعيها الكاتب.