ثالثًا: نفي الكاتب لوجود الحسبة في السنة
إن الأحاديث الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما رأينا كثيرة جدًا، ولذا فإن من أعجب العجب أن يقول صاحب المقال المشار إليه تحت عنوان (هل للحسبة أصل في السنة النبوية؟) : (( أبدًا ليس لها أصل على الإطلاق في السنة النبوية، فلم يثبت أن النبي أقام محاكم تفتيش لأحد من المنافقين ... ) )، وهذا من قائله جهل مركب؛ فإن الأحاديث التي أوردناها واضحة وضوح الشمس في إثبات الحسبة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولست أدري عن أي سنة يتكلم هذا الرجل؛ وقد كنت أسمع أن له منهجًا باطلًا في الحكم على الأحاديث، ولكني ما كنت أظن أنه تبلغ به الجرأة على تكذيب كل هذه الأحاديث الصحيحة الواردة في شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي هي قليل من كثير مما ورد في هذا الأمر العظيم.
أما قضية المنافقين التي أشار إليها الكاتب فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحتاج إلى أن يقيم لهم محاكم تفتيش إذ قد أعلمه الله بهم وأمرهم ألا يصلي عليهم فقد كان صلى الله عليه وسلم يعرفهم بأعيانهم حتى إنه قد أخبر بهم حذيفة رضي الله عنه في غزوة تبوك، ومع معرفته بهم إلا أنه تركهم فلم يقتلهم لحكمة يعلمها أهل الفقه بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وسيرته؛ فقد قال عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن عبد الله بن أبي: (يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) (11) .
فقد أقر صلى الله عليه وسلم عمر في إثبات النفاق لعبد الله بن أبي، ولكنه بين له أن هناك مفسدة عظيمة سوف تحدث لو قتله، وهي أن هذا الرجل - مع نفاقه - يُظهر الإسلام والناس لا يظنونه إلا مسلمًا فلو قتلناه لتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، فلم يقل له صلى الله عليه وسلم إنه لا يجوز قتله، بل ذكر له العلة في ترك قتله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عند حديثه عن أهمية قياس المصالح والمفاسد قبل تغيير المنكر: (( ومن هذا الباب إقرار النبي لعبد الله بن أبي وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما لهم من أعوان، فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغضب قومه وحميتهم وبنفور الناس إذا سمعوا أن محمدًا يقتل أصحابه ) ) (12) .
وكذلك نقول هنا: إننا قد نترك إقامة حد شرعي أو نترك منكرًا فلا نغيره إذا كان سيترتب على القيام بذلك مفسدة أكبر، لكن ذلك لا يحملنا على الرضا بذلك المنكر أو تغيير حكم الله في وجوب إقامة الحدود الشرعية ووجوب تغيير المنكرات.
(11) أخرجه البخاري (4905) ، (4907) ومسلم (2584) من حديث جابر بن عبد الله.
(12) مجموع الفتاوى (28/ 131) .