رابعًا: فهم الكاتب لقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن
الكاتب لا ينكر ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن الكريم، لكنه يضع له فهمًا ما أنزل الله به من سلطان؛ إذ نراه يقول: (( فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أبرز معالم التشريع القرآني، ولكنه محدد بمجرد النصح القولي بالأمر والنهي، ثم الإعراض عمن يستمر في المنكر ما دام لا يؤدي ذلك المنكر إلى عقوبة من العقوبات التي تتعلق بحقوق البشر في النفس والمال والعِرض، فإذا ارتكب ذلك عوقب، وما عدا ذلك وخصوصًا ما يتعلق بحقوق الله تعالى فمرجعها إلى الله تعالى يحكم فيها يوم القيامة ) ).
ويستدل الكاتب على أقواله تلك بقول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} (المائدة: 105) وقوله سبحانه وتعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} (الأعراف: 199) وقوله سبحانه وتعالى: {فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} (الشعراء: 216) ، ويقول الكاتب: (( ... لم يقل له: فإن عصوك فاضربهم بالسلاسل والجنازير مع أن عصيان النبي أمر فظيع ) ).
والحقيقة أنا لا ندري من أين أتى الكاتب بهذا الفهم العجيب، وإنا نسأله: أهو أعلم بالشريعة من صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم الذي قال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ... ) ؟
فقد بيَّن لنا صلى الله عليه وسلم أن تغيير المنكر ليس بمجرد النصح القولي؛ بل قد يكون باليد وقد يكون باللسان وقد يكون بالقلب، ولم يفرق صلى الله عليه وسلم بين ما فيه عقوبة وما ليس فيه عقوبة.
كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين ما يتعلق بحق الله وما يتعلق بحق البشر في تحديد المنكر الذي يجب تغييره باليد أو اللسان أو القلب.
وما ذكره الكاتب من أدلة الصفح والإعراض إنما كان في العصر المكي حين كان المسلمون مأمورين بالصفح والعفو، ولم تكن قد نزلت الحدود بعد، فكانوا يصفحون ويعرضون ليس فقط عمن لم يستجب للنصح بل حتى عمن آذاهم ونال منهم، ثم لما قوي المسلمون في العصر المدني نُسخ ذلك وشُرع الجهاد وشُرعت الحدود فقال الله عز وجل مخاطبًا المؤمنين: {فإذا انسلخ الأشهر الحُرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} (التوبة: 5) بعد أن كان يقول لهم في العصر المكي: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} (البقرة: 109) .
قال ابن كثير: (( ... وكان هذا في ابتداء الإسلام أُمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب؛ ليكون ذلك كالتأليف لهم، ثم لما أصروا على العناد شرع الله تعالى للمؤمنين الجهاد والجلاد ) ) (13) .
وأيضًا فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ... } ليس معناه ما ذهب إليه الكاتب من ترك المفسدين يفسدون في الأرض إذا لم يستجيبوا للنصح؛ وإنما معناه أنه بعد قيام المسلمين بواجبهم في الأمر والنهي بكل ما أمكنهم من الوسائل فإنهم لا يتحملون وزر من بقي على ضلاله ولم يهتد.
ولذا فقد قال أبو بكر رضي الله عنه: (يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير موضعها، وإنا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابه) (14) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( وإنما يتم الاهتداء إذا أطيع الله وأُدي الواجب من الأمر والنهي وغيرهما ) ) (15) .
فلا بد إذًا من الأخذ على يدي الظالم كما علمنا الصديق رضي الله عنه مصححًا للبعض ما قد يظنونه تفسيرًا للآية الكريمة.
(13) تفسير القرآن العظيم (4/ 150) .