فاختيار الله لعبده المؤمن هو أعظمُ اختيار، وهو أفضل اختيار مهما كان ظاهرُه صعبًا أو شاقًا أو فيه هلكة للمال أو ضياعٌ للمنصب والجاهِ أو فقدٌ للأهل والولد، أو حتى ذهاب للدنيا بأسرها.
وعليك أن تسترجع بذاكرتك قصة غزوة بدر، وتتفكر فيها جيدًا، فلقد أحب بعض الصحابة رضي الله عنهم وقتها الظفر بالعير، ولكن الله اختار لهم اختيارًا أعظم من اختيارهم وأفضل منه، لقد اختار لهم النفير.
وفرقٌ بين الأمرين عظيمٌ عِظَمَ ما بين الثرى والثريا! فماذا في العير؟! إنه طعامٌ يؤكل ثم يذهب إلى الخلاء، وثوبٌ يَبْلى ثم يُلقى، ودنيا زائلةٌ، أما النفير؛ فمعه الفرقان الذي فرَّق الله به بين الحق والباطل، ومعه هزيمة الشرك واندحاره وعلو التوحيد وظهوره، ومعه قتل صناديد المشركين الذين يقفون حَجَر عَثْرَةٍ أمام الإسلام ذلك الدين الوليد في جزيرة العرب، ومعه ... ومعه ... ومعه ...
ويكفي أن معه: (إن الله اطَّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، وصدق الله تعالى إذ يقول: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين} .
وقبل أن أختم كلامي في هذه النقطة؛ أود أن أسوق معنى كلمات جميلة للإمام الجليل ابن القيم ذكرها في كتاب"زاد المعاد"، ولكن بشيءٍ من التصرف:
"إن الله لم يمنع عنك ما منعه بخلًا منه، ولا نقصانًا من خزائنه، ولا استئثارًا عليك بما هو حق لك، ولكن منعك ليردك إليه، وليعزك بالتذلل له، وليغنيك بالافتقار إليه، وليَجْبُرَك بالانكسار بين يديه، وليذيقَك بمرارة المنع حلاوةَ الخضوع له ولذة الفقر إليه، وليُلْبِسَكَ حِلْيَةَ العبودية، ويُوَلِّيَك بعزلك أشرفَ الولايات، وليشهدك حكمته في قدرته، ورحمته في عزَّته، وبِرَّه ولطفه في قهره، وأن مَنْعَهُ عطاءٌ، وعزلَه توليةٌ، وعقوبتَه تأديبٌ، وامتحانَه عطيةٌ ومَحَبَّةٌ، وتسليطَ أعدائه عليك سائقٌ يسوقه إليك ومن لم يفهم هذه المعاني العظيمة بقلبه وعقله ويعمل بها، فمَحَلُّه غيرُ قابل للعطاء، وليس معه إناءٌ يوضع فيه العطاء، فمن جاء بغير إناءٍ رجع بالحرمان، ولا يَلُومَنَّ إلا نفسَه".