أما الأمر الثاني الذي تفترق فيه المعايير الربانية عن المعايير الجاهلية ، فهو مدّ الوعي بالوجود الإنساني إلى ما وراء الحياة الدنيا القصيرة الفانية إلى الحياة الخالدة الباقية ، لا لإيجاد معيارين مختلفين يتررد الإنسان بينهما ، مرة هنا ومرة هناك ، ولكن لتثبيت المعيار الأول وتمتينه وتمكينه ، وجعله أكثر فاعلية في حياة الإنسان . فالمعيار الأول ، الخاص بالنجاح والتمكين في الحياة الدنيا بمقتضى المنهج الرباني ، هو ذاته الذي يوصل الناس إلى الآخرة سالمين غانمين مستحقين لرضوان الله . ولا يحتاج الأمر إلى إضافة شيء خاص - لا تصلح به الحياة الدنيا - ولا إلى حذف شيء معين مما تصلح به الحياة الدنيا حسب المنهج الرباني . فحسب الإنسان أن ينشط في الدنيا بعمله وعمله ، ومجاله الفردي ومجاله الأسري ومجاله الاجتماعي ومجاله البشري ملتزما بما أنزل الله ، متوجها بعمله ومشاعره إلى الله ، ليستحق عند الله نعيم الآخرة . فإن تكن إضافةٌ بالتطوع النبيل بما لم يفرضه الله فرضا ، أو الزهد النبيل في شيء لم يفرض الله الزهد فيه ، فهذا رفع للدرجات عند الله ، ولكنه ليس شرطا للأمن والكرامة يوم القيامة .
وإن الصورة المريضة التي تعيشها الأمة اليوم ، ويتخذها الجاهليون المعاصرون حجة لنبذ المعايير الربانية واتخاذ معايير الجاهلية الأوربية ، ليست من الإسلام ، ولا تحسب على الإسلام ، ولا يحتج بها على الإسلام . إنما هي انحراف لتسأل عنه الأمة في الحياة الدنيا ويوم تقوم بين يدي مولاها:
( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ ) (1) .
(1) سورة الزخرف [ 44 ] .