الصفحة 162 من 194

ومن ثم فإن الصحوة تمثل انبعاثة ذاتية لا تحتاج إلى أسباب خارجية لإحداثها، وإن كانت الأسباب الخارجية قد تزيد في تدفقها أو تؤثر في مسارها.

والمؤرخ المسلم قبل هذا وبعد هذا مؤرخ .. عليه أن يبذل الجهد في تحرير الوقائع، وتمحيص الروايات، وتحري الدقة العلمية في الدراسة، والتجرد من الهوى ما وسعه الجهد.

وعليه فوق ذلك ألا يفاجأ - ولا يوهن من عزمه - أن يجد نفسه أحيانا وحيدا في اللجة يسبح ضد التيار!

ليس من شأني في هذه العجالة ولا في غيرها أن أتكلم في علم الاقتصاد، فهذا شأن المتخصصين في ذلك العلم، ولكن هذا لا يمنعني من الإشارة إلى بعض الملاحظات:

تبدأ الدراسة المنقولة عن الغرب في علم الاقتصاد بتعريف"المشكلة الاقتصادية"ويقال للطلاب إن المشكلة الاقتصادية هي مشكلة الندرة!

وقد عجبت حين علمت ذلك، وعلمت أن هذا يقال في معاهدنا"الإسلامية"! يقوله أساتذة مسلمون، ويتلقاه عنهم طلاب مسلمون، ويأخذون هذا الكلام قضية مسلمة، ويبنون عليها دراستهم في علم الاقتصاد!

وكان موضع عجبي أن هؤلاء جميعا يقرءون - أو المفروض فيهم أن يقرءوا - قوله تعالى: (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ) (1) .

الله يقول إنه بارك فيها وقدر فيها أقواتها، ونحن نقول إن المشكلة الاقتصادية هي مشكلة الندرة! أي قلة الموجود بالنسبة للمطلوب!

كلا! إن المشكلة هي في السلوك البشري المخالف لمنهج الله! فحين يأخذ أناس أكثر من حقهم الشرعي، باستخدام وسائل لم يأذن بها الله، ثم لا يؤدون حق المال الذي فرضه الله عليهم في أموالهم .. تنشأ المشكلة!

(1) سورة فصلت [9 - 10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت