الصفحة 161 من 194

وهذا ما ينبغي للمؤرخ المسلم أن يصحح فيه مفاهيم الناس ، سواء الذين يلقون اللوم كله على الأعداء ويهربون من مسئوليتهم ، أو الذين يبرئون الأعداء من التآمر ليلقوا المسئولية على الأمة المسلمة حقدًا عليها وشماتة فيها .

وتصحيح المفاهيم في هذا الشأن واجب"علمي"في الوقت الذي هو واجب ديني عقدي . ولا تناقض في الإسلام ولا تنافر بين العلم والدين .

4-إنه على الرغم من كل ما وقع من الأمة من الانحراف ، وكل ما قام به الأعداء من الكيد ، فقد حدثت الصحوة .. ولهذا الأمر ولا شك دلالته الواضحة .

دلالته أن هذه الأمة - أمة العقيدة - لا تنطبق عليها سنة الفناء بالشيخوخة - إن كانت هذه سنّة - وأن فيها من الحيوية الكامنة ما يبعثها من جديد بعد أن تكون قد أشرفت على الهلاك .

وهناك أكثر من تفسير يمكن أن يفسر هذه الظاهرة .

فحفظ الله لكتابه المنزل ، ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، واحد من الأسباب التي حفظت هذه الأمة من الفناء خلال مسيرتها التاريخية الطويلة على الرغم من كل الكوارث التي أصابتها على يد أعدائها ، وعلى الرغم من كل التقصير الذي وقع منها .. إذ أن المنبع الذي تستقي منه الأمة وجودها ، موجود دائما ، في المتناول لمن يريد .

وكون هذا الدين هو دين الفطرة الذي يلبي كل احتياجات الفطرة السوية ، ويتجاوب مع النمو السوي في حياة الإنسان ، لا يعوقه ولا يعرقله ولا يكبته ، واحد من الأسباب .

وكون هذا الدين ليس نظريات في الكتب ولا شعارات مرفوعة في الفضاء ، وإنما هو واقع عملي ، ثم هو واقع عاشته الأمة بالفعل عدة قرون ، ووعت أحداثه ذاكرتها التاريخية المتجددة .. واحد من الأسباب .

وفوق ذلك كله ، وقبل ذلك كله ، وعد الله الدائم أن يبعث على رأس كل قرن من يجدد لهذه الأمة أمر دينها:

( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ) (1) .

(1) سورة الأحزاب [ 38 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت