إنما الصورة السليمة التي عاشتها الأمة بالإسلام قرونا متوالية هي المرجع ، وهي المحك لواقعية المعايير الربانية ، وأنها ليست مُثُلًا معلقة في الفضاء غير قابلة للتطبيق ، كما يزعم الذين انحطت عزائمهم عن الرفعة التي أرادها الله للإنسان ، فأخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم ، وأبوا الاحتكام إلى ما أنزل الله ، ثم زعموا أنهم هم الفائزون !
( لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) (1) .
على أن الخسارة ليست واقعة في الدار الآخرة وحدها ! فالوضع المضطرب الذي تعيشه البشرية اليوم في مختلف أرجاء الأرض ، هو شهادة الواقع على مدى صلاحية المعايير الجاهلية المجافية للمنهج الرباني لقيادة البشرية إلى النجاح الحقيقي ، الذي يستمتع فيه الإنسان بالحياة . وانظر فقط إلى نسبة الأمراض النفسية والعصبية والقلق والجنون والانتحار والخمر والمخدرات والجريمة .. والفزع الدائم من الأزمات ، سواء السياسية أو الحربية أو الاجتماعية أو الاقتصادية .. واسأل نفسك هل أدى التقدم العلمي والتكنولوجي وظيفته التي كان قمينا أن يقوم بها في ظل المنهج الرباني ، يوم يقوم الناس بالقسط ؟!
( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) (2) .
هذا التصور الإسلامي للإنسان ، المستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، قد برئ من الاختلالات الرئيسية الثلاثة التي وقع فيها التصور الغربي . فلا هو يتعامل مع الإنسان على أنه حيوان متطور ، ولا على أنه إله ، ولا على أنه يعيش حياته الدنيا منقطعة عن الآخرة .
(1) سورة النحل [ 109 ] .
(2) سورة طه [ 124 ] .