الصفحة 90 من 194

وإن من التكريم أن تكون وسائل الإنسان في تحقيق ذاته وتحقيق غاية وجوده غير وسائل الحيوان التي يستخدمها في صراع البقاء ، وفي الاستمتاع . وحين يطبق البشر في حياتهم قانون الغاب ، و"ينجحون"على أساسه في تحقيق ذواتهم ، أو"يستمتعون"على طريقة الحيوان ، ويتجاوزون الحد في المتاع الحسي ، فما الفرق إذًا بينهم وبين الوحوش الضاربة ، أو بينهم وبين السائمة ، وأين منهم شرف الانتماء إلى آدم الذي أسجد الله له الملائكة:

( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ .. ) (1) .

( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ .. ) (2) .

لقد خلق الله الإنسان لأهداف أخرى غير التي خلق الحيوان من أجلها . ولم يكن خلقه مجرد إضافة حيوان جديد إلى قائمة الحيوان ، إنما كان إيجاد جنس آخر من الخلق ، خلقه الله بقدرته ، ليعبد الله على وعي ، ويعمر الأرض بمقتضى المنهج الرباني . ومن أجل هذه الغاية وهب له ما وهب من المزايا ، وأنزل الكتب لهدايته على أيدي الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم . وكان من أهداف إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط:

( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) (3) .

فأنّى يتحقق القسط بين الناس حين يطبقون في حياتهم قانون الغاب الذي وضع للحيوان ؟!

(1) سورة البقرة [ 34 ] .

(2) سورة محمد [ 12 ] .

(3) سورة الحديد [ 25 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت