الصفحة 89 من 194

إن المعايير الربانية جادة كل الجد ، محكمة ، دقيقة ، حاسمة . إنها ليست شيئا هلاميا لا قوام له ، ولا شيئا رجراجا لا تثبت له صورة محددة ، ولا هي مجرد شعارات ترفع ، ولا أماني يصوغها الخيال كما يتصور الجاهليون عما يسمونه"المعايير الدينية !"ولا هي كذلك تجامل الناس لمجرد قولهم - أو ظنهم - أنهم مؤمنون صادقو الإيمان ما لم يحققوا تكاليف الإيمان التي فرضها الله عليهم . والذين يظنون - من الجاهليين - أنهم هم البارعون ، وهم الواقعيون ، وهم العمليون ، لأنهم يحددون أهدافهم تحديدا واضحا ، ويتخذون الأسباب الواقعية العملية التي تحقق أهدافهم بعيدا عن"مثاليات"الدين ، هؤلاء لم يتعرفوا على حقيقة المعايير الربانية ، ولم يدرسوا السنن الربانية دراسة"علمية"واعية ، ليعرفوا أنها لا تغفل اتخاذ الأسباب ، ولا تكل الناس إلى المشاعر والوجدانات ، والأماني الفارغات ، إنما تتطلب منهم جهدا حقيقيا في عالم الواقع .. غير أنها تفترق عن معايير الجاهليين في أمرين رئيسيين:

الأمر الأول: هو تحديد غاية الوجود الإنساني ، التي يتخذ الإنسان الأسباب لتحقيقها ، ومن ثم الالتزام بالأسباب التي تتواءم مع هذه الغاية ولا تصادمها .

فالنجاح - الأرضي - بالغش والكذب والخديعة والنفاق والمداهنة - وهو ما تدعوا إليه الميكيافيللية صراحة وتطبقه بلا تحرج في معظم معاملاتها - لا يعتبر بالمعايير الربانية نجاحا يتفق مع غاية الوجود الإنساني الذي رفعه الله وكرّمه:

( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) (1) .

(1) سورة الإسراء [ 70 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت