في المنهج الرباني"مادة رسوب"- إذا استعرنا الاصطلاح - يعتبر الإنسان راسبًا إذا رسب فيها ، ولو حصل على النهاية العظمى في سائر المواد ! تلك المادة هي الإيمان بالله واليوم الآخر ! .
إن استغلال الحواس مطلوب . واستخدام العقل مطلوب . وتسخير الطاقات التي أودعها الله في السموات والأرض مطلوب . والتحسين والتجميل والتكميل مطلوب (1) . وبذل الجهد - العضلي والعقلي - لتحقيق ذلك كله مطلوب . وكله ينال الإنسان عليه درجات بمقدار ما يبذل من الجهد .. ولكن هذا كله لا يضمن النجاح - في المنهاج الرباني - بغير الإيمان بالله واليوم الآخر .. ويعتبر الإنسان راسبا إذا رسب في هذه المادة الرئيسية !
وهنا مفرق الطريق بين مفهوم الإسلام ومفاهيم الجاهلية !
إن الجاهلية تعتبر أن النجاح في العمارة المادية للأرض . في اكتساب القوة والتمكن . في الغلبة والسيطرة . في استخخدام العقل والحواس ، ثم في الاستمتاع بمتاع الأرض .. هو قمة النجاح الذي لا يحتاج الإنسان معه إلى شيء ، ولا يحتاج بعده إلى شيء ..
وكان يمكن أن يكون هذا معيارا صحيحا لو أن الإنسان هو الإله ! هو الذي يقدر المقادير ، وهو الذي يقرر لنفسه مبدأه ومنتهاه ، ومشيئته هي النافذة في الكون وفي الحياة !
فهل هو بالفعل كذلك ؟!
فما باله"عاجزا"في أمور لا تحصى ، تزيد عددا ومدى وأثرا عن كل ما يعتبر نفسه"قادرا"عليه ، حتى لو ظن - في غفلته - أن قدرته فيما هو قادر عليه هي من عند نفسه وليست من عند الله:
( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) (2) .
( فَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (3) .
(1) سنتكلم عن هذه النقطة فيما بعد .
(2) سورة القصص [ 78 ] .
(3) سورة الزمر [ 49 ] .