فبغير الجهد لا يصل إل شيء ، لأنه ليس إلها يقول للشيء كن فيكون ، إنما هو"إنسان"له قدرة ممنوحة له من عند الله ، ولكنها قدرة محدودة بالقياس إلى القدرة التي لا تحد .. قدرة الخالق العظيم التي لا يعجزها شيء في السموات ولا في الأرض .
وهو حري أن يعرف حدود قدرته تلك لكيلا يطغى بها على الخلق ، ولا يتمر بها على سلطان الله ، بدلا من أن يشكر المنعم الوهاب الذي منحه ما منحه من القدرات والخيرات:
( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) (1) .
( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) (2) .
ولكن السمع والأبصار ، وما تؤدي إليه من الإدراك الحسّي ، وما ينشأ عن ذلك من""علم"، وما يؤدي إليه ذلك العلم من عمل في عمارة الأرض .. كل ذلك لا يفي بتحقيق ما خلق الله الإنسان من أجله:"
( كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ) (3) .
لا بد مع السمع والأبصار من"الأفئدة"التي وهبها الله للإنسان لتحقيق غاية معينة ، لا يتم تحقيق غاية وجوده إلا إذا أداها .
الأفئدة هي الأداة التي تصل الإنسان بالله ، يحبه ويخشاه ، ويتطلع إليه في كل خطوة ، ويدهوه ويستغفره ويتوب إليه ، ويستمد منه العون ، ويطلب منه التوفيق:
( وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ) (4) .
وهي الأداة العظمى في العمارة الحقيقية للأرض . فليست العمارة المادية وحدها هي المطلوبة من الإنسان في الأرض ، إنما هي عمارة"القيم"التي تحقق ما سخر الله للإنسان من طاقات السموات والأرض بحيث يجري الأمر فيها حسب المنهج الرباني الذي أنزله الله لعمارة الحياة الدنيا ، وجعل جزاءه النعيم الخالد في الآخرة .
(1) سورة النحل [ 53 ] .
(2) سورة إبراهيم [ 34 ] .
(3) سورة عبس [ 23 ] .
(4) سورة الإسراء [ 57 ] .