وكون العبادة من الفطرة ، تصح مع صحتها وتنحرف مع مرضها ، كان بديهية واضحة في حياة البشرية ، حتى جاءت الجاهلية المعاصرة فزعمت - لأول مرة في التاريخ - أن العبادة ليست أصلا ثابتا في كيان الإنسان ، إنما هي حالة مرت بالبشرية في طور من أطوراها ثم"برئت"منها ، حين أدت مهمتها واستنفدت أغراضها .. و"تحرر"الإنسان من"الدين" (1) !
أي عبادة للشيطان أشد من هذه العبادة ؟!
إن"المعبودات"اليوم لا تكاد تحصى ! فهي أحيانا"الدولة"وأحيانا"الوطن"وأحيانا"القومية"وأحيانا"النظام"وأحيانا"الزعيم الأوحد"وأحيانا"المصلحة القومية"وأحيانا"الرأي العام"- المحلي أو العالمي - وأحيانا"الإنتاج"وأحيانا"العقل"وأحيانا"العلم"وأحيانا"التقدم"وأحيانا"الموضة".. كلها معبودات ترسم للناس مناهج حياتهم فيعمل الناس بوحيها وأمرها في الوقت الذي يعصون فيه أوامر الله ، ويستكبرون عن عبادة الله !
وحين يخيل لإنسان ما في لحظة ما أنه متحرر تماما من كل عبادة ، ليس لأحد ولا لشيء عليه سلطان .. ففي تلك اللحظة ذاتها يكون غارقا في العبادة حتى أذنيه .. عبادة الهوى والشهوات:
( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) (2) .
كلا ! إن العبادة جزء من الفطرة ، كامن في أعماقها .. تستقيم الفطرة فتستقيم العبادة ، وتعتل فتعتل معها العبادة ، وتتشتت في اتجاهات مختلفة:
( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) (3) .
(1) يقول دوركايم في كتابه"قواعد المنهج في علم الاجتماع": كان المظنون أن الدين والزواج والأسرة أشياء في الفطرة ولكن التاريخ يطلعنا على أنها ليست فطرية في الإنسان !
(2) سورة الجاثية [ 23 ] .
(3) سورة الأنعام [ 153 ] .