الإنسان في التصور الإسلامي كائن مختلف تماما ! لا هو حيوان ولا هو إله ! وإنما هو إنسان !
خلق إنسانا من أول لحظة !
( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) (1) .
( إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ) (2) .
وهو في جميع أحواله إنسان ؛ فيه صفات الإنسان مهما علا ومهما سفل . وإنه ليعلو فيكون - في رأي بعض العلماء - أعلى من الملائكة ، وإنه ليسفل حتى يكون - بشهادة خالقه سبحانه - أقل من الحيوان .. ولكنه دائما هو"الإنسان".
وربما نستطيع أن نفسر هذه الحقيقة إذا رجعنا إلى طبيعة تكوينه: إنه قبضة من طين الأرض ، ونفخة من روح الله . فأما قبضة الطين فهي جسده بكل ما يحويه من نوازع وشهوات . وأما نفخة الروح التي اتحدت بقبضة الطين وامتزجت بها امتزاجا ، فقد جعلت لها ماهية خاصة ، فقد منحتها الوعي والإرادة والحرية ، وأذهبت عنها عتامة الطين ..
الوعي والإرادة والحرية هي الكيان الإنساني .. هي حقيقة الإنسان ، التي تصحبه في جميع حالاته وفي جميع تصرفاته الإرادية ، مهما علا ومهما سفل . فهو يعلو وهو واعٍ مريد ، ويسفل وهو واعٍ مريد ، وله دائما قدر من الحرية يعلو به حين يشاء ، ويسفل به حين يشاء ، ولكنه يعلو حين تضيء في كيانه إشراقة الروح فتصله بالله فيزكي نفسه ، ويسفل حين تنطفئ في كيانه تلك الإشراقة الملهمة ، فيتدنى مع ثقلة الشهوات:
( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (3) .
(1) سورة ص [ 71 - 72 ] .
(2) سورة الإنسان [ 2 ] .
(3) سورة الشمس [ 7 - 10 ] .