الصفحة 70 من 194

ثم إنه له بطبيعة خلقته تلك طريقين اثنين لا طريقا واحدا كالحيوان أو كالملاك . الحيوان طريقه هو الغريزة الحيوانية التي ترسم له أعماله وتحدد له تصرفاته فلا يملك أن يخالفها ، والملك طريقه هو الغريزة النورانية الشفيفة ، إن جاز لنا أن نسميها غريزة: غريزة الطاعة الخالصة لله ، والعبادة الخالصة لله:

( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ) (1) .

( لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (2) .

أما الإنسان فهو في كل لحظة من لحظاته على مفرق طريق: على رأس طريقين ، أحدهما طاعة الله والآخر طاعة الشيطان الذي يحرض على معصية الله . وفي كل لحظة من لحظاته يستمع إلى أحد الندائين فيتجه إليه ، ويصم سمعه عن النداء الآخر . يستمع إلى النداء الرباني المنزل على الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم ، فيعبد ، ويطيع ، ويصم أذنه عن نداء الشيطان . أو يستمع إلى نداء الشيطان ، فيتجه إليه ، ويصم أذنه عن النداء الرباني ، ولكن على صورتين مختلفتين في المدى والعمق والنية المصاحبة . إما غفلة مؤقتة عن النداء الرباني ، تتبعها الصحوة ، والاستغفار والتوبة ، وذلك شأن المؤمنين ، وإما غفلة كاملة عن النداء الرباني ، وانصياع كامل واعٍ لنداء الشيطان ، وهو الكفر والعياذ بالله .

فأما الأولون فلا يخرجون من رحمة الله سواء عاقبهم على غفلتهم العارضة أو شملهم بعفوه . أولئك يقول الله عنهم:

(1) سورة الأنبياء [ 20 ] .

(2) سورة التحريم [ 6 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت