من هنا تتخبط النظريات وتتخبط التفاسير التي تحاول أن تفسر السلوك البشري والحياة البشرية ، ما بين مبدأ اللذة والألم ، ومبدأ النفعية ، ومبدأ نسبية القيم ؛ وما بين التفسير المادي للتاريخ ، والتفسير اللبرالي ؛ وما بين الغاية التي تبرر الوسيلة ، واللاغائية ، والعدمية ، والفوضوية ، والوجودية .. وكلها مذاهب ، وكلها تفاسير !!
إذا جمعنا حصيلة الخللين الأساسيين في التصور الغربي للإنسان ، نجد أن الإنسان في ذلك التصور حيوان متأله ! حيوان بحكم منشئه . متأله بحكم جعله نفسَه حكما مطلقا في كل ما يتعلق به من الأمور: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والخلقية والفنية .. إلخ . ونجد أن هذا الحيوان المتأله هو موضع الدراسة في جميع الدراسات الاجتماعية ، سواء علم الاجتماع أو علم الاقتصاد أو علم التاريخ أو علم التربية أو علم النفس ، أو حتى الدراسات الأدبية .. حيوان يعيش بأهداف الحيوان ، ويرفض في الوقت ذاته أن يكون له مرجع يرجع إليه في تصرفاته سوى ما يراه"عقله"أو بالأحرى ما يجري به هواه .
فإذا أضفنا إلى ذلك خللا ثالثا في النظرة الغربية لا يقل خطورة عن الخللين السابقين ، هو دراسة الإنسان كأنه يعيش حياته الدنيا وحدها ، ولا معاد له في الآخرة ، فقد اختلت الموازين تماما ، ولم يبق شيء في الرؤية على وجهه الصحيح !
إن اعتبار الحياة الدنيا هي المبدأ والنهاية يؤثر تأثيرا بالغا في رؤية الإنسان للأشياء ، ليس فقط من الناحية الاعتقادية ، ولكن كذلك من الناحية السلوكية والعملية والعلمية . فحين يكون أمامك منظر متكامل تعرف مبدأه ومنتهاه ، وتستطيع أن تعرف مكان كل جزئية فيه ، ودلالتها في المنظر المتكامل ، ثم تقتطع جزءا من المنظر ، وتقول: يكفيني هذا الجزء ، ولست بحاجة إلى باقيه ! هل يكون سلوكك"عقلانيا"؟ وهل يكون واقعيا ؟ وهل تحصل على نتائج علمية صحيحة ؟!