خذ هذا النموذج من كتاب"مبادئ الفلسفة"تأليف رايو برث ، يقول عن عصر النهضة:
"وامتاز هذا العصر بشعور الإنسان بشخصيته المطلقة ، وبمعارضته للسلطة وذويها ، وذهابه شوطا بعيدا في اعتبار العالم كله وطنا له (1) ... وقد أعلت النهضة شأن الطبيعة الإنسانية والحياة الدنيوية ، مخالفة في ذلك طريقة التفكير في القرون الوسطى ، ولذلك يسمى العلماء الذين خصصوا أنفسهم لدراسة آداب اليونان والرومان والعلوم عند القدماء"الإنسانيين"... وكان من خير ما أحدثه هؤلاء الإنسانيون"نمو الفردية"أعني الرأي القائل بأن الإنسان ينبغي أن يفكر بنفسه لنفسه . وهو رأي كان قد أهمل في عصر عبودية العقل" (2) .
وخذ نموذجا أوضح وأصرح . يقول"جوليان هكسلي"في كتابه الذي أشرنا إليه آنفا ( الإنسان في العالم الحديث ) : إن الإنسان قد خضع لله في الماضي بسبب عجزه وجهله . والآن - وقد تعلم وسيطر على البيئة - فقد آن له أن يأخذ على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل في عصر العجز والجهل على عاتق الله ، ومن ثم يصبح هو الله !
ويقول في نفس الكتاب: إن أسطورة بروميثيوس ما تزال كامنة في كيان الأوربي الحديث توجهه على غير وعي منه . فالأوربي المعاصر هو"بروميثيوس الحديث"الذي يريد أن يضع نفسه في مكان الإله . وكلما تعلم ، وزادت سيطرته على البيئة ، ارتفع في حس نفسه درجة ، وهبط الإله مقابل ذلك في حسه بنفس القدر ، حتى إذا استطاع يوما أن يخلق الحياة انتهى الإله من حسه تماما ، وأصبح هو الله .
(1) يغفل الكاتب - بطبيعة الحال - أثر احتكاك أوربا بالمسلمين ، وتعرفها على الخرائط الإسلامية ، ورغبتها في التعرف على ما كان مجهولا لها من أرجاء الأرض ، والرغبة في استلاب خيرات المسلمين ، في بعث هذا الشعور في نفوس الأوربيين .
(2) رايو برث ، مبادئ الفلسفة ، ترجمة محمد أمين ، طبع دار الكتاب العربي ببيروت ، ص 119 - 120 من الترجمة العربية .