ويكون هذا هو المعيار التاريخي ، والاجتماعي ، الذي تقاس به"عظمة"الأمم خلال التاريخ .
أين مكان"القيم"في هذا التصور ؟ .. نعني ما نسميه"القيم العليا"من نشر العدل وإزالة الظلم ونشر الخير ، وإشراك الناس في الخير بدافع"الإنسانية"بصرف النظر عن"المنفعة"، والتعاون على البر والتقوى ؟! هل لها مكان ؟
إنها كلام جميل يتحدث عه المتحدثون ! وشعارات ترفع بين الحين والحين .. أو في كل حين ! ولكنها عند الجد لا تؤخذ مأخذ الجد ! فإنه لا مكان لها عند الحيوان الأصلي ، ولا مكان لها كذلك عند الحيوان المتطور ! .
الخلل الثاني في التصور الغربي هو دراسة الإنسان بمعزل عن خالقه ، كأنما هو قد خلق نفسه ، أو كأنما وجد بغير موجد ! ويترتب على ذلك - عندهم - ألا تكون للإنسان مرجعية خارج حدود ذاته ! إنما يكون"هو"مرجع نفسه ، فما يراه"هو"يكون هو الأصل وهو الصواب . أي أنه - بعبارة أخرى - هو الإله .
ومن الوضح أن هذا الخلل في فكر الغرب قد نشأ من الصراع ضد الكنيسة وطغيانها . أو قل: من فساد الدين الذي اعتنقته أوربا ، والذي أفرز الكنيسة بادئ ذي بدء ، ثم أفرز طغيانها في جميع المجالات التي طغت فيها: الروحية والمالية والفكرية والسياسية والعلمية ، مما فصلناه في غير هذا المكان (1) .
لقد كان رد الفعل الأوربي تجاه فساد الدين وطغيان الكنيسة منذ عصر"النهضة"- كما أشرنا في الفصل السابق - هو التمرد على سلطان الكنيسة ، والتمر على الله ذاته - سبحانه وتعالى - وإقامة الإنسان نفسَه مرجعا بدلا من الله ( وكان هذا - كما أشرنا من قبل - مولد"العلوم الإنسانية Humanities"أي العلوم التي يؤخذ العلم فيها من الإنسان لا من الوحي الرباني ) .
ولسنا نحن الذين نقول ذلك من عند أنفسنا ، فكتاباتهم عن أنفسهم مليئة بمثل هذا .
(1) انظر إن شئت فصل"دور الكنيسة"من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".