ولكن الحيوان المتطور قد"اكتسب"الوعي حين كبر مخه نتيجة انتصاب قامته ، فلم تعد كل أعماله غريزية ، بل حتى الغريزي منها صار الإنسان يمارسه بوعي منه ، يبدأ بإدراك الرغبة وينتهي إلى تحقيقها مرورا بالبحث عن الوسائل المادية إلى إشباعها ..
نعم ! ولكن الأهداف هي الأهداف ! صراع البقاء والاستمتاع .
فأما الحيوان فكان يستخدم قوته العضلية ليأخذ مكانه في صراع البقاء ، وليحصل على ضروراته ، وأحيانا يستخدم الحيلة ولكن بوحي الغريزة ، وفي نطاقها .
وأما الحيوان المتطور فهو - إلى جانب عضلاته - يستخدم الأداة المستجدة التي"اكتسبها"في تطوره ، وهي العقل ، وكلما ارتقى صار استخدامه للعقل أوسع مدى وأكثر فاعلية ، وذلك فضلا عما يتيحه له التطور الآخر - تطور إبهامه - من استخدام أدوات لا حصر لها لتحقيق أهدافه .
وأما الاستمتاع فقد ارتقى كذلك مع الحيوان المتطور ، باستخدام التطورين الرئيسيين في كيانه ، فدخل فيه العقل على نطاق واسع ، يستجد فيه كل حين لونا جديدا من ألوان الاستمتاع ، ويستخدم في سبيل ذلك مزيدا من الأدوات يخترعها العقل ، وتستخدمها اليد ذات الإبهام المتطور !
وتنشأ من ذلك الحضارة ..
فالحضارة من جانب هي حصيلة سعى الإنسان لإثبات ذاته في صراع البقاء ، وسعيه إلى الاستمتاع من جانب آخر ..
فسعية إلى إثبات ذاته في صراع البقاء يتمثل في القوة الحربية ، والقوة السياسية ، والقوة العلمية ، والقوة الاقتصادية ، وسعيه إلى الاستمتاع يتمثل في"الفن"بمحتلف انواعه إلى جانب المتاع الحسي المباشر بما يلبي نداء الشهوات ..
وهذه - بشقيها - هي معايير إنجازاته !
فالأمم تقاس بالقوة الحربية والقوة السياسية والقوة العلمية والقوة الاقتصادية التي تمكنها من البقاء في حومة الصراع ، وتكفل لها - كلما تمكنت - سحق القوى الأخرى أو التغلب عليها - كما تقاس كذلك بتعدد الفنون التي تستخدمها من أجل الاستمتاع .