الصفحة 46 من 194

وهنا نقطة تقابل أخرى بين الأمة التي اعتنقت دين بولس ، والأمة التي اعتنقت دين الله الحق . فالأمة التي اعتنقت دين بولس كان دينها هو الداء ، كلما زادت جرعته في حياتها زاد ضعفها وفسادها والظلمات التي تحيط بها ، وكان جزءا من علاجها أن تخرج من ذلك الدين . بينما الأمة التي اعتنقت الدين الحق كانت عافيتها وحيويتها ورفعتها وقوتها في دينها ، كلما زادت جرعته في حياتها زادت تمكينا في الأرض ، ونجاحا في المسيرة في الحياة الدنيا ، فضلا عن رضوان الله في الآخرة .

وتلك حقيقة تاريخية مهمة يجب أن يفيء إليها الذين يدعون إلى تقليد أوربا بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، والذين يظنون - بفعل تبعيتهم الفكرية للغرب - أن"الدين"كله دين ! لا فرق فيه بين زائف وأصيل ، وأنه - كله - مادة ضارة يجب أن تنبذ ، أو في القليل يحجم استخدامها فينحصر في أضيق الحدود ! بينما الغرب ذاته - الذي يتبعونه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير - يعرف جيدا حقيقة الإسلام ويعرف إلى أي مدى هو مصدر قوة لهذه الأمة ، ولذلك يحارب الصحوة الإسلامية الحاضرة بضراوةٍ وحشية ، خشية أن تزحزحه عن مكانه الذي ما احتله إلا في غيبة هذه الأمة ، وبسببٍ من غيبتها في التيه (1) .

( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (2) .

ولكن هناك وَهْمًا ضخما يسيطر على الناس في الجاهلية المعاصرة ، منشؤه التمكين المادي الذي أحرزه الغرب في تاريخه الحديث . ذلك الوهم هو الظن بأن هذا التمكين لا يمكن أن ينشأ إلا عن منهج سليم للحياة ! ومن ثم فكل ما يفعله الغرب صحيح وسليم ومستقيم !

(1) اقرأ إن شئت كتاب"هلم نخرج من ظلمات التيه".

(2) سورة البقرة [ 146 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت