أما المسيرة التاريخية للأمة الإسلامية فهي لا تخرج عن إحدى حالتين: إما التزام بهذا الدين ، وتمسك به على وعي وبصيرة ، وإما تفلت منه ، وانحراف عن مفاهيمه .
وشهادة التاريخ تقول: إن فترات الالتزام والتمسك هي فترات القوة والتمكين والرفعة والازدهار في جميع الجوانب ، وفترات التفلت والانحراف ، هي فترات الضعف والهبوط وزوال التمكين . وإن القرون الأولى كانت خير القرون في جميع المجالات ، وإن القرن الأخير هو أسوأ القرون جميعا في تاريخ الأمة الإسلامية ، ولذلك دلالة واضحة ؛ فالقرون الأولى كانت هي قرون التمسك الواعي بهذا الدين ، والعمل بمقتضياته في عالم الواقع . والقرن الأخير هو فترة التيه في حياة الأمة ، التي نسيت فيها دينها ، واتخذت لها مراجع من غير هذا الدين ، وانسلخ فيها من انسلخ من الإسلام .
والدلالة الواضحة لذلك أن منبع القوة لهذه الأمة هو هذا الدين ، ومصدر الضعف الذي يلم بها هو البعد عنه . بل هناك ما هو أوضح دلالةً على هذه الحقيقة .. فتاريخ هذه الأمة ليس كله صعودا وليس كله هبوطا على خط منحدر . إنما هو تاريخ يشتمل على ذبذبات صاعدة وهابطة . وفي فترة من تاريخ الأمة كانت البدع والانحرافات والترف والتفلت من التكاليف قد وصلت حد لم تكن قد بلغته من قبل ، فتكالب الأعداء عليها من كل جانب: الصليبيون والتتار والرافضة والفرق الباطنية ، وكادت الأمة تهلك وتزول من التاريخ ، وذلك في نهاية العصر العباسي الثاني ، فكان العلاج الذي تعاطته - بفضل من الله - هو العودة لهذا الدين .. وعندئذ نفضت عنها ضعفها وتخاذلها وتقاعسها ، وعادت لها حيويتها ، فطردت التتار والصليبيين ، وعادت ممكنة في الأرض فخمدت شوكة الأعداء .