إذا تأملنا هذه الخصائص التي جعلها الله في هذا الدين ، نجد أن المسلم السوي لم يكن قط - ولا يكون قط - في موقف الصراع مع دينه ، ولا هو في حاجة أن ينبذه ويتمرد عليه ، كما كان الحال مع الدين الذي اعتنقته أوربا ، والذي لم يكن لها بد من الصراع معه ، ونبذه والتمرد عليه ، إن أرادت أن تنهض وتتحرك وتتجدد وتنمو .. فحيثما توجه المسلم السوي ، في أي نشاط من نشاطاته ، وفي أي مجال من مجالات حياته ، فلن يجد الدين حاجزا يحجزه ، بل يجد على العكس من ذلك أن الدين هو الذي يحثه ويستنهض همته ، ويدفعه إلى العمل والنشاط .
والشاهد هو التاريخ ..
فالأمة التي حملت الإسلام إلى البشرية لم تكن قبل اعتناقها الإسلام أمة علم ، ولم تكن لها عناية كبيرة بعمارة الأرض . والإسلام هو الذي دفعها للبحث العلمي حتى صارت في يوم من الأيام هي الأمة العالمة في الأرض ، التي تتتلمذ عليها البشرية في العلوم . والإسلام هو الذي دفعها لاستنباط المنهج التجريبي في البحث العلمي الذي هو عماد التقدم الذي حدث في كل ميادين العلم الحديث . والإسلام كذلك هو الذي دفع المسلمين إلى المشي في مناكب الأرض وكشف مجاهلها ، وعمارتها بشتى أنواع العمارة من زراعة وصناعة وتجارة ، وبناء مدن وإنشاء طرق وتنظيم وسائل اتصال ، فضلا عن الخدمات الإنسانية الرفيعة ، من تعليم مجاني ، وتطبيب مجاني ، وأوقاف للخير ، ونشر للبر . وهذه الحضارة التاريخية الفذة ، المتعددة الجوانب ، الشاملة لكيان الإنسان كله: جسده وعقله وروحه . دنياه وآخرته . نشاطه العلمي ونشاطه العملي ونشاطه الفكري ، إنتاجه المادي وإنتاجه الروحي ، لا نقول فقط إنها تمت في ظل الإسلام بلا تعارض معه ولا صراع ، ولكن نقول إنها كانت نتاج الإسلام ، وترجمة واقعية للروح الدافعة في هذا الدين .