الصفحة 43 من 194

وهناك متغيرات تنشأ من الاحتكاك الدائم بين العقل البشري وطاقات الكون المادي ، فتتغير معها صورة الحياة ، كلما عرف الإنسان جديدا من خواص المادة ، فاستغل المعرفة في التحسين والتجميل والتكميل ، الذي هو ديدن الفطرة ، والذي أودعه الله في الفطرة ليكون دافعا لعمارة الأرض وتنمية الحياة وترقيتها . وموقف الشريعة تجاه هذه المتغيرات على نوعين ، بحسب نوع التغير الذي يحدث . فبعضها وضعت له الشريعة قواعد ثابتة تحكم المتغيرات دون أن تحبسها في إطار معين . كالثوابت التي تحكم المعاملات الاقتصادية وتتغير الصورة تحتها من اقتصاد رعوي إلى اقتصاد زراعي إلى اقتصاد صناعي ، دون أن تتغير الثوابت التي تحكمه ، فيجتهد فيه العلماء الفقهاء في حدود الثوابت المقررة . وبعضها - كالتنظيمات الإدارية ، وكنظام المرور مثلا - لم تتعرض له الشريعة لأنه من المصالح المرسلة المتروكة للعقل البشري ، يجتهد فيها بما يحقق المصلحة للمسلمين . وفي جميع الأحوال يكون شرط الاجتهاد ألا يحل حراما أو يحرّم حلالا أو يصادم مقاصد الشريعة ، ولا مجال هنا للتفصيل ، إنما مكانه كتب الفقه والأصول . ولكن الذي نريد الإشارة إليه هنا هو تلك المرونة التي جعلها الله في شريعته الخاتمة ، التي أنزلها لتحكم الحياة البشرية مدى الزمن كله من مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، فتتسع لكل جديد صالح ، وتبقى ثوابتها ثابتة حيث يلزم الثبات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت