والذين يقولون ذلك أو يعتقدونه هم في جهل كبير بالسنن الربانية التي يُجْرِي الله بها حياة البشر على الأرض . فلو أن الله قد قدر ألا يحصل على التمكين إلا الطيبون الصالحون المستقيمون لكان ظنهم في مكانه ، ولكان هناك ارتباط بين التمكين في الأرض وسلامة المنهج من ورائه . ولكن انظر إلى سنة الله في هذا الأمر:
( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ، كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) (1) .
فهذا تقرير صريح من الله سبحانه وتعالى أنه يعطي التمكين في الدنيا للمؤمن والكافر على السواء . أي لصاحب المنهج الصحيح وصاحب المنهج المعوج على السواء !
إنما يرتبط التمكين - حسب السنن الربانية - بمعايير أخرى وأدوات أخرى غير استقامة المنهج أو فساده تبينها الآية التالية:
( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ ) (2) .
والإرادة المذكورة في الآية ليست مجرد الرغبة ! فالرغبة بلا عمل لا تؤدي إلى شيء . إنما هي الرغبة مع استخدام الأدوات المؤدية إلى تحقيق الرغبة ، من جهد عقلي ونفسي وعصبي وجسدي ، يشمل البحث العلمي ، والدأب والمثابرة ، والجد في العمل ، والتنظيم ، وطول النفس ، ووضح الهدف .. فحين تتوافر هذه الأسباب فقد قضى الله أن يُوَفِّي للقائمين بها جزاء جهدهم في الحياة الدنيا ، ولا يبخسهم جهدهم . ويتم هذا بمشيئة من الله وليس تلقائيا كما يظن الجاهليون !
(1) سورة الإسراء [ 18 - 20 ] .
(2) سورة هود [ 15 ] .