إن تمجيد الله سبحانه وتعالى ليس نقيضا مقابلا لتكريم الإنسان . وتكريم الإنسان كذلك ليس نقيضا مقابلا لتمجيد الله . إنهما ليسا ندين متصارعين كما تصور الأسطورة الوثنية الإغريقية ، بحيث يكون ارتفاع أحدهما هبوطا للآخر ! الله في علاه ، هو الحميد المجيد ، هو القوي القاهر ، هو العزيز الحكيم ، هو الخلاق الرزاق ذو القوة المتين ، والإنسان هو العبد الخاضع لجبروته المتطلع لرحمته ، ولكنه في عبوديته مكرم ، لأن الخالق كرّمه ، ووهبه من فضله ، وعلّمه ورشّده ، وهداه النجدين . ومِنْ أكرم ما كرمه به أنه لم يقهره على الإيمان كما قهر بقية الكائنات ، إنما وهب له عقلا يميز به ، وإرادة فاعلة يختار بها بين طريقين:
( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (1) .
الإنسان ليس إلها ، ولا ينبغي له أن يكون ، ولكنه ليس هملا ، وليس كائنا سلبيا مهينا محقرا لكونه ليس إلها ! والكون الذي خلقه الله يتسع لألوهية الله ولعبودية العباد كلٌّ في مقامه ، بلا تناقض ولا صدام !
وحقيقة إن الإنسان قاصر . وإنه ضعيف . وإنه خطاء . وإنه لا حول له ولا قوة إلا بالله . ولكن هذا كله لا يمنع عنه الكرامة التي كرمه بها الله ، والرفعة التي كتبها له الله ، إنما الذي يزيل عنه الكرامة ويهبط به أسفل سافلين أن يدعي الألوهية ، ويجعل نفسه ندا لله ، أو يتخذ أندادا من دون الله ، أو يخلد إلى الأرض ويتبع هواه . عندئذ فقط يسقط في الحضيض ، وتحق عليه اللعنة من الله . أما حين يقع منه القصور ، ويقع منه الضعف ، ويقع منه الخطأ ، فكل ذلك لا يزيل عنه الكرامة ، متى فاء إلى الله ، فتاب وأناب:
(1) سورة الشمس [ 7 - 10 ] .