وكان الدين الذي اعتنقته أوربا غارقا في"الميتافيزيقا"، أي الاهتمام بعالم الغيب ، مهملا لعالم الشهادة ، ثم كان رد الفعل"النهضوي"عندهم هو إهمال"الميتافيزيقا"ووصمها بأنها خرافة ، والاهتمام الزائد بعالم الشهادة . فما موقف الإسلام في هذه القضية ؟
الإسلام هو نقطة الوسط المتوازن بين النقيضين المتطرفين:
( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (1) .
إن الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ليس نقيضا مقابلا للإيمان بالمحسوس ، والتعامل معه تعاملا حسيا ماديا عقلانيا ، واستخلاص طاقات السموات والأرض ، واستخدامها في عمارة الأرض . ففي تركيب النفس الإنسانية كما فطرها الله تتجاور النزعتان معًا وتتآلفان وتتناسقان ، نزعة الإيمان بما تدركه الحواس ، والإيمان بما لا تدركه الحواس .. وتلك مزية ميز الخالق بها الإنسان عن الكائنات الأخرى ، وجعلها في مقدمة خصائصه:
( الم ، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ .. ) (2) .
(1) سورة البقرة [ 177 ] .
(2) سورة البقرة [ 1 - 3 ] .