( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ(1) ) (2) .
ولننظر نظرة سريعة في خصائص الدين الإسلامي من جهة ، ومسيرة الأمة الإسلامية به من جهة أخرى ، لنرى الفارق بين المسيرتين .
ولنركز في نظرتنا السريعة على الجوانب التي يتقابل فيها موقف الدينين من قضايا الحياة الكبرى ، لنتبين فيما بعد أثر ذلك التقابل في المسيرة التاريخية لكل من الأمتين .
كان الدين الذي اعتنقته أوربا دينا أخرويا يهمل الحياة الدنيا ، وكان رد الفعل"النهوضي"عندهم هو الاهتمام الزائد بالحياة الدنيا وإهمال الآخرة ، فما موقف الإسلام في هذه القضية ؟
الإسلام هو نقطة الوسط المتوازن بين النقيضين المتطرفين:
( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) (3) .
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (4) .
ليست الدنيا نقيضا مقابلا للآخرة ، ولا الآخرة نقيضا مقابلا للدنيا ، وليس العمل لإحداهما صارفا عن العمل للأخرى . إنما يعمل الإنسان بجهد كله ، ونشاطه كله ، ودوافعه كلها لعمارة الأرض ، وحين يعمر الأرض بمقتضى المنهج الرباني يكون قد عمل للآخرة في ذات الوقت دون أن يحتاج لأن يحيد عن طريقه أو يعطل طاقة من طاقاته ، أو يهمل واجبا من واجباته . ومن ثم لا تتنازع الدنيا والآخرة في حسه ، ولا تتمزق بينهما نفسه ، ولا تتشتت اتجاهاته .
(1) أي القرآن .
(2) سورة المائدة [ 68 ] .
(3) سورة القصص [ 77 ] .
(4) سورة الملك [ 15 ] .