والحقيقة إن إحساس أوربا بما هي فيه ، ورغبتها في التخلص منه وتغييره ما بدأ إلا بعد احتكاكها بالإسلام والمسلمين ، من خلال القنوات المتعددة التي أطْلَعَتْ أوربا على الإسلام: الحروب الصليبية ، والصلات التجارية ، والابتعاث إلى الجامعات الإسلامية ، وترجمة العلوم الإسلامية إلى اللغات الأوربية ..
ولكن موقف الكنيسة من المد الإسلامي الزاحف إلى أوربا من الشرق والغرب والجنوب ، كان هو السبب الرئيسي في الفساد الثاني الذي عاشته أوربا منذ"النهضة"إلى اللحظة الحاضرة ، على الرغم من كل التقدم العلمي والتكنولوجي والقوة المادية والحربية والسياسية والاقتصادية التي يملكها الغرب في وقته الحاضر . فقد أدى موقف الكنيسة بأوربا إلى الخروج من دينها ، وعدم الدخول في الوقت ذاته في الإسلام ، وانتشار المذاهب الفكرية والاجتماعية الكارهة للدين ، الراغبة في حصره في أضيق نطاق ممكن - إذا سمحت له بالوجود أصلا - وإبعاده عن مجالات البحث العلمي ، وعن السياسة والاقتصاد والاجتماع والفكر والفن .. والأخلاق !
إذا اتضح لنا ذلك من ظروف أوربا فقد اتضح لنا - أو يجب أن يتضح لنا - أن طريقنا غير طريقهم ، لأن ظروفنا كلها غير ظروفهم ..
أول فارق بين ظروفنا وظروفهم هو اختلاف الدين .. فبينما اعتنقت أوربا دين بولس بدلا من الدين السماوي ، فإن الأمة الإسلامية قد اعتنقت الدين السماوي الحقيقي المنزل من عند الله ، الذي هو دين الحق من ناحية ، والدين المنزل للبشرية كافة من ناحية أخرى ـ والمنزل للزمن كله من مبعثه صلى الله عليه وسلم إلى آخر الزمان من ناحية ثالثة:
( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا ) (1) .
(1) سورة المائدة [ 3 ] .