ودعك الآن من الجانب"الفني"في الأسطورة ، وانظر إلى المضمون . إن تلك الأسطورة تعني - من بين ما تعنيه - أن العلم لا يأتي هبة من عند الله المنعم الوهاب ، وإنما اغتصابا يغتصبه الإنسان من الإله كرها عنه ! ثم إن الإله يغار من كون الإنسان قد تعلم ! وفي الوقت ذاته هو عاجز عن سلب العلم منه ! فينتقم منه بالتنكيد الدائم عليه ، لكي لا ينعم بثمار المعرفة التي اغتصبها اغتصابا من الإله !
وفي هذا الجو الملبد بمشاعر الحقد والصراع ولدت"النهضة"الأوربية .. ولدت نافرة من الدين ، متملصة منه ، نابذة إياه .. واجتمع لها رافدان من الحقد في آن واحد: الحقد على الكنيسة بسبب ما ارتكبت من آثام ، والحقد الذي يحمله التراث الوثني الذي اعتمدته أوربا زادًا تستمد منه مقومات نهضتها .
وفي ذلك الجو كذلك ولدت العلوم الاجتماعية في أوربا ، ثم نمت وترعرعت حتى آتت ثمارها الحاضرة !
لقد انقلبت أوربا في"نهضتها"مائة وثمانين درجة كاملة ، لتنتقم من الكنيسة ، ومن الدين الذي أذلت به الكنيسة رقاب العباد ..
انقلبت من دين يؤمن بالغيب (1) ويكاد يهمل عالم الشهادة ، إلى"دين"يصب اهتمامه في عالم الشهادة ويهمل عالم الغيب !
من دين أخروي يهمل الحياة الدنيا إلى"دين"دنيوي يهمل الآخرة !
من دين يمجّد الله ويسقط الإنسان من الحساب إلى"دين"يمجّد الإنسان ويسقط الإله من الحساب !
من دين رهباني يزدري الجسد ولذائذه الحسية إلى"دين"غارق في لذائذ الحس إلى درجة الحيوانية !
من دين يحارب العلم إلى علم يحارب الدين ، ومن دين يحارب الحضارة إلى حضارة تحارب الدين !
من دين يتصور"الثبات"في كل شيء ويرفض التطور ، إلى"دين"يتصور التطور في كل شيء ويرفض الثبات في أي شيء !
(1) الذي يسمونه في لغتهم الميتافيزيقا ( أي ما وراء الطبيعة ، أو ما وراء العالم المحسوس ) .