الصفحة 27 من 194

وقد كان مخرجها من مأزقها ذلك أنها رجعت إلى تراثها الوثني الذي عاشته قبل دخولها في دين الكنيسة ، أعني التراث الروماني الإغريقي ، لتستمد منه مقومات نهضتها ، وتبتعد في الوقت ذاته عن"الدين".. وكان هذا هو البلاء الذي لم يصبها وحدها ، ولكنه أصاب العالم كله معها ، حين ملكت من وسائل القوة والتمكين ما مكنها من السيطرة على عالم اليوم .

إن هذا التراث يحمل في طياته فكرة خبيثة عن العلاقة بين البشر و"الآلهة".. علاقة صراع دائم لا مودة فيه ولا هوادة ولا تعاطف .. الإنسان من جانبه في محاولة دائبة لإثبات ذاته يتحدى"الآلهة"وعصيانها والتمرد عليها ، و"الآلهة"من جانبها في محاولة دائبة لتحطيم الإنسان وإذلاله كلما أراد أن يثبت ذاته .. وتلك هي مأساة الحياة !

ولعل أوضح مثال على هذه العلاقة هو أسطورة بروميثيوس سارق النار المقدسة . وهي أسطورة تأخذ شيئا من الواقع ، وتلونه بلونها الخاص .

تقول الأسطورة إن زيوس - إله الآلهة - خلق الإنسان من قبضة من طين الأرض ، ثم سواه على النار المقدسة ( التي ترمز في الأسطورة إلى المعرفة ) ثم أهبطه إلى الأرض وحيدا في الظلام ! ( يرمز الظلام إلى الجهل ) فأشفق عليه كائن أسطوري يسمى بروميثيوس ( لعله يرمز إلى الشيطان ) فسرق له النار المقدسة من الإله ( والرمز هنا أن الإنسان قد أخذ يتعلم ) فغضب الإله على الإنسان والشيطان كليهما ! فأما الشيطان ( بروميثيوس ) فقد وكل به نسرا يأكل كبده طوال النهار ، وفي الليل تنبت له كبد جديدة فيجيء النسر في الصباح فيرعى كبده إلى الليل ، هكذا في عذاب دائم . وأما الإنسان فقد خلق له كائنا أنثى ( ترمز إلى حواء ) وأرسلها إليه في ظاهر الأمر لتؤنسه ، ولكنه أرسل معها صندوقا هدية ، فلما فتحه إذا هو مملوء بالشرور ! فتناثرت الشرور من الصندوق وملأت أرجاء الأرض ! وكان هذا هو الانتقام الإلهي من الإنسان الذي أخذ يتعلم !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت