الصفحة 25 من 194

وحين احتك الأوربيون بالمسلمين - احتكاكا حربيا في الحروب الصليبية ، واحتكاكا تجاريا عن طريق جنوة والبندقية ، واحتكاكا ثقافيا وحضاريا في الأندلس والشمال الأفريقي وجنوب إيطاليا وصقلية الإسلامية - حدث تحول هائل في الحياة الأوربية .

لقد وجدت أوربا نمطا من الحياة يختلف تماما عن النمط الذي عاشت به طوال قرونها الوسطى المظلمة .

وجدت دينا بلا كنيسة ولا رجال دين ! دينا يمارسه الناس في علاقة مباشرة بين العبد والرب لا يدخل فيها كاهن ولا قسيس .

ووجدت فكرا واسع الآفاق متعدد الجوانب ، لا حجر فيه على العقل البشري ، ولا رقيب فيه على الناس إلا ضمائرهم ولا محاكم تفتيش تقتحم ضمائر الناس لتفتش عن المخبوء فيها لتقذف به وبحامله إلى النار !

ووجدوا علاقات اجتماعية ليس فيها إقطاع ، وليس فيها عبيد يسامون الخسف والذل والهوان (1) .

ووجدوا شريعة موحدة يتحاكم إليها الناس كلهم سواسية ، لا تخضع لهوى أمير الإقطاعية الذي تتمثل فيه السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية كلها في آن !

ووجدوا علما هائلا في كل أبواب المعرفة المتاحة يومئذ ، وحضارة مشرقة وطيدة الأركان .

وهذا كله على الرغم مما كان قد طرأ على المسلمين من انحرافات خلال قرون من الزمان !

ولم يكن لأوربا بدٌّ من أن تتأثر بهذا كله تأثرا يغير حياتها من الأساس . وكان يمكن - كما قال ويلز - أن تدخل أوربا في الإسلام ..

وكانت الكنيسة أول من استشعر هذا الخطر"الداهم !"الذي يشكل بالنسبة لها تهديدا مباشرا لكيانها وسلطانها ، ولدينها كذلك ! فوقفت بعنف تذود عن نفسها ، وتصد المد الإسلامي عن أوربا بكل ما تملك من سلطان .

(1) كان في العالم الإسلامي رق . ولكن الإسلام كان قد جفف كل منابع الرق التي كانت قائمة قبله ، فيما عدا بابا واحدا هو رق الحرب التي تقع بين المسلمين والكفار . ولكن ذلك الرقيق كان يعامل معاملة إنسانية وتفتح أمامه كل السبل لتحريره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت