ولكن الطامة الكبرى كانت مصادمة العلم بالدين ، وتحريق العلماء أحياء لأنهم قالوا بكروية الأرض ، وبأن الأرض ليست مركز الكون ! لقد كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير !
فإذا كان من حق الكنيسة - من حيث المبدأ - أن توجه سلوكيات الناس وأخلاقياتهم وعقائدهم ، وأن تحدد للناس حلالهم وحرامهم (1) ، فلم يكن من المستساغ - لا من حيث المبدأ ولا من حيث الواقع - أن تتدخل في النظريات العلمية فتخطّئها أو تصوّبها باسم الدين .
أما من حيث المبدأ فإن التوراة والأناجيل التي اعتمدت عليها الكنيسة - حتى على فرض صحتها وعدم تحريفها - هي كتب للهداية وليست كتبا للنظريات العلمية . فقد ترك الله مجال العلم للعقل البشري بعد أن أمده بالحواس المعينة له ، وبالقدرة على الملاحظة والتجريب والقياس والاستنباط . وإنما اختص الوحي بما لا يستطيع الإنسان من ذات نفسه أن يصل فيه إلى اليقين ، بينما هو في حاجة إلى المعرفة اليقينية بشأنه لتستقيم حياته في الدنيا والآخرة ، كتوحيد الله سبحانه وتعالى ، وخبر البعث والمعاد والحساب والجزاء ، ومعرفة الحلال والحرام ، والمعايير التي ينبغي أن تحكم الحياة ..
وأما من حيث الواقع فإن رجال الدين ما كانوا رجال علم ، ولا زعموا لأنفسهم أنهم تمرسوا بالعلوم ، بل كان كثير منهم - باعتراف كتابهم ومؤرخيهم - يعتبرون في عداد الجهلاء !
لذلك كان تعرض الكنيسة للنظريات العلمية باسم الدين أمرا في غاية الغرابة ، كما كان تعقبها للعلماء بالحرق والتهديد به أمرا في غاية الفظاظة والوحشية ، ومنذرا بعواقب وخيمة لا يقف شرها عند حد !
(1) استخدمت الكنيسة هذا الحق استخداما خاطئا فأباحت الخمر والخنزير وهما مما حرم الله ، وحرمت الختان وهو مما أوجبه الله !