الصفحة 20 من 194

ولا ننسى أن الكنيسة قد استخدمت هذه الروح - التي تأصلت عندهم تأصلا عقديا - في مقاومة حركات الإصلاح حين جاء أوانها في أوربا ، وتخذيل الناس عن الثورة على الظلم الواقع عليهم ، بدعوى أن الرضى بالظلم والألم والشقاء هو الذي يؤهل الناس لنيل الملكوت في الآخرة ! مما جعل ماركس يقول قولته المشهورة:"الدين أفيون الشعوب". وهي قولة صادقة على دين الكنيسة الأوربية في العصور الوسطى ، حيث كانت الكنيسة تخدر الجماهير بالدين لكيلا يثوروا على الإقطاع . وكان هذا منها دفاعا عن وجودها الذاتي في الواقع ، إذ كانت الكنيسة منذ زمن قد أصبحت من ذوات الإقطاع ، فلم يكن يعقل أن تشجع الناس على الثورة على الإقطاع !

ومن جهة أخرى آمنت الكنيسة بتصور خاطئ للحياة البشرية ، بثته في نفوس أتباعها ، وعمقته في إحساسهم ، مبني على فكرة الثبات المطلق في كل شيء . فقد وضع الإله نظاما ثابتا للكون المادي بشمسه وأرضه ونجومه وسمواته ، ونظاما ثابتا للحياة البشرية كذلك . وكما أن الأفلاك منتظمة في حركتها على نظام ثابت لا يتغير ، فكذلك الحياة البشرية ينبغي أن تجري على نظام ثابت لا يتغير - لأنه من إرادة الله الثابتة - وهو نظام يقسم الناس إلى طبقتين رئيسيتين: رجال الدين ورجال الإقطاع والملوك والأباطرة من جانب ، والشعب من جانب آخر . الطبقة الأولى تستمتع بالغنى والسلطان وملذات الحياة الدنيا ، والطبقة الثانية تقوم بالخدمات المطلوبة لهؤلاء ، وتعيش عيشة الكفاف ، وتكدح ليلها ونهارها ، وليس لها من متاع الحياة الدنيا شيء يذكر ، ولكن ينتظرها نعيم الآخرة ، ما دامت تؤمن بالمخلّص ، وتصبر على الابتلاء .

وكان لذلك التصور أثره - ولا شك - في الجمود الذي اتسمت به الحياة الأوربية في عصورها الوسطى المظلمة !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت