ومن ناحية ثالثة انصرف اهتمامهم عن تحقيق"ملكوت الرب"في الحياة الدنيا على اعتبار أن هذا عمل ميئوس منه ، إنما يتحقق ملكوت الرب في الآخرة وحدها ، كما أشار ولفرد كانتول سميث في مقدمة كتابه"الإسلام في التاريخ الحديث Islam in Modern History"وهو يعقد موازنة بين رؤية المسلم ورؤية المسيحي للتاريخ ، إذ يقول: إن المسلم يرى أن تحقيق ملكوت الرب يكون بإطاعة شريعته وتطبيقها في الحياة الدنيا ، ولهذا يسعى أن يجعل سلوك الفرد وسلوك المجتمع مطابقا للشريعة ، ويرى أن النجاح في الحياة الدنيا لا يتأتى إلا بتحقيق"ملكوت الرب"في هذه الحياة . بينما يشعر المسيحي أن مهمة تقويم المجتمع أمر خارج عن اختصاصه ! إنما هو يسعى إلى الخلاص الفردي ، كل فرد بمفرده . كما أن صورة المجتمع ، ونجاحه أو فشله أمر خارج عن نطاق العقيدة ! بل إن كثيرا من المسيحيين الأتقياء ينظرون إلى النجاح في الحياة الدنيا على أنه فتنة تصرف الإنسان عن طريق الخلاص ، وأن الابتهاج بالنجاح الدنيوي خطيئة يجب أن يتخلص منها الإنسان ولا يسمح لها بأن تتملكه !
لذلك انحصرت فكرة الخلاص في التوجه إلى الآخرة عن طريق الإيمان بيسوع المسيح ربا ومخلّصًا - مع إهمال الحياة الدنيا يأسا من إصلاحها إضافة إلى الزهد فيها - فتحول الدين بذلك إلى دين أخروي ، لا يلتفت إلى الحياة الدنيا ولا يسعى لإصلاح أحوالها ، وإقامة العدل فيها ، والجهاد من أجل ترسيخ هذه القيم وتمكينها ، مع الرضى في الوقت ذاته بالألم والشقاء في الحياة الدنيا طمعا في الوصول إلى الملكوت !