وحين توارى فرويد عن الساحة - أو عن مكان الصدارة في الساحة - فقد خلفته مدرسة أخرى لا تقل عنه سوءًا في تصورها وتصويرها للإنسان . وهي المدرسة السلوكية التي لها السيادة اليوم في الدراسات النفسية ، والتي تعتمد اعتمادا أساسيا على تجارب المعمل ، ولكنها تستمد تجاربها أساس من عالم الحيوان ، ثم تجريها - بنجاح ! - على عالم الإنسان !
كلتا النظرتين: نظرة فرويد ونظرة السلوكيين ، تفسر جوانب من الإنسان ، ولكنها لا تحيط به ، ولا تستطيع أن تفسر المقامات العليا من النفس البشرية ، التي لا تصل إليها"جنسيات"فرويد ، ولا تجارب السلوكيين .
لا مناص لنا عند التأصيل الإسلامي في الدراسات النفسية من الرجوع إلى المصادر التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، لتكون أساسا لأبحاثنا ومنطلقا لدراساتنا وتجاربنا .
يقول الخالق سبحانه وتعالى عن خلق الإنسان:
( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) (1) .
فنعلم من هذا المصدر الموثوق أن الإنسان قد ركب من عنصرين: قبضة الطين ونفخة الروح .
ثم نعلم من ذات المصدر أن نفخة الروح منحت قبضة الطين صفات لم تكن لها من قبل ، نترجمها بمصطلحاتنا اللغوية بأنها الوعي والإرادة والحرية ، والتي تأتي الإشارة إليها في القرآن الكريم في لفظة"الأفئدة"ومرادفاتها .
وأن الله أودع في فطرة الإنسان أن يعرف خالقه ويتوجه إليه بالعبادة ( أي الدين ) :
( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ) (2) .
(1) سورة ص [ 71 - 72 ] .
(2) سورة الأعراف [ 172 ] .