الصفحة 176 من 194

إنه بارع جدا في العمارة المادية للأرض ، لأنها همه الذي يعيش من أجله . وبراعته تلك وروعة إنجازاته فيها هي التي تجعله يتأله ، لأنه يقول كما قال قارون من قبل ( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) (1) وفي الوقت ذاته هو منحط إلى أسفل سافلين في شهواته الدنسة التي لا تشبع ، لأنه ليس من طبيعتها أن تشبع حين يفتح لها الباب على مصراعيه ، بل من طبيعتها أن تزداد نهما وضراوة حتى تردي صاحبها .. ثم هو في النهاية إنسان غير سعيد بواقعه الذي يعيشه ، فيسعى إلى الهروب منه في الخمر والمخدرات ، أو الصياح والضجيج ، أو الرقص المخبول .. أو الجريمة !

أو كذلك نريد أن نربي أبناءنا وبناتنا ؟!

يقول الحالمون: نأخذ إيجابياتهم ونترك عيوبهم وانحرافاتهم ..

حلم جميل ما باله لم يتحقق خلال قرنين من الزمان جرى فيهما العالم الإسلامي لاهثا وراء الغرب"لينهل"من منابعه ؟!

الإجابة - كما أسلفنا قبل قليل - أننا جابهنا الغرب وقد فقدنا أصالتنا ، فلم يعد في وسعنا أن نأخذ إلا السلبيات التي لا تحتاج إلى جهد ، وعجزنا عن أخذ الإيجابيات لأنها تحتاج إلى بذل الجهد ، والمثابرة عليه .. وهو أمر لا يطيقه إلا الأصلاء !

لكي نستفيد من إيجابيات التربية عند الغرب يجب أن نكون أولا مسلمين !! يجب أن نعود إلى أصالتنا ، وأن نسترد ذاتيتنا التي فقدناها في فترة الانبهار ، فتصبح عندنا العزيمة ، وتصبح عندنا البصيرة ، التي نأخذ منها ما ينفع ، وندع ما يضر ، والتي نتابع بها بذل الجهد حتى نصل إلى تحقيق المطلوب !

وهكذا كانت تفعل الأجيال الأولى من المسلمين تجاه ما تجد نفسها محتاجة إليه من الوسائل والأدوات ، مما ليس عندها ، ومما هو موجود لدى الجاهليات من حولها في فارس وبيزنطة .

(1) سورة القصص [ 78 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت