( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) (1) .
فهل كانت تربية الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضوان الله عليهم محصورة في العقيدة أو الوجدان الديني أو الشعائر التعبدية ؟ وهل خرّجت هذه التربية مجرد عبّاد لله بالمعنى الضيق للعبادة .. بمعنى آخر: هل اقتصرت التربية النبوية على الجانب الروحي وحده ؟ أم كان الذين رباهم صلى الله عليه وسلم عمالقة في كل اتجاه: عمالقة في سياسة الحكم ، عمالقة في الحرب ، عمالقة في العلم ، عمالقة في الأخلاق ، عمالقة في كل شيء من شئون الحياة ؟ وكانوا هم ، وذراريهم الذين تربوا على أيديهم من بعدهم ، سادة العالم وقادته ورواده وهداته إلى النور ؟
هذا المعنى الواضح للتربية الإسلامية لم يعد واضحا في أذهان الكثيرين اليوم .. لعدة أسباب .
أولها: المفهوم الغربي"للدين"، الذي يزحف على حياتنا عن طريق الغزو الفكري ، وينظر الناس إلى الإسلام من خلاله .
وثانيها: الواقع السيئ الذي يعيشه المسلمون اليوم ، والذي يوشك أن تختفي فيه آثار التربية الإسلامية ، والذي يجعل الأمة التي تحمل اسم الإسلام - إلا ما رحم ربك - أسوأ نموذج للأمم ، ضعفا وتخاذلا وتفرقا وتخلفا وتنابذا وسوء خلق .. فتبدو التربية الإسلامية الحقة إلى جانب هذا الواقع السيئ خيالات لا وجود لها في الواقع ، وشعارات معلقة في الفراغ .
يضاف إلى ذلك أن الجماعات الإسلامية التي انبثقت عن الصحوة الأخيرة لم تستوعب هي نفسها كل معاني التربية الإسلامية ، لتعرضها واقعا يقنع الناس بحقيقة هذه التربية ، بل زادت فتصارعت فيما بينها وتنابذت ، فأعطت المثل السيئ ، الذي يزيد الناس بعدًا عن تصور الحقيقة .
ولكن تظل الحقيقة مع ذلك هي الحقيقة !
تظل هي الحقيقة لأنها عاشت بالفعل ، في عالم الواقع ، عدة قرون .
(1) سورة آل عمران [ 110 ] .