3-إن إبراز انحرافات الأمة الإسلامية في انتكاستها الأخيرة ، ومسئوليتها عما حدث لها من الضعف والهوان والذل والضياع الذي تعيشه اليوم ، لا ينفي مؤامرة الأعداء ضدها وضد الإسلام .
إن نفي المؤامرة سذاجة مفرطة ، بعد ظهور كل العلامات الدالة عليها ، بل بعد تصريح ساسة الغرب وكتابهم الذي لا مواربة فيه ، بأن عدوهم الأكبر هو الإسلام .
وإن الخطأ"العلمي"الذي يقع فيه الذين يلقون المسئولية كلها على الأعداء ، ويخلون أنفسهم من المسئولية ، مماثل تماما للخطأ المقابل ، الذي يلقي المسئولية كلها على الأمة الإسلامية وينفي تآمر الأعداء على الإسلام .
كلاهما نظرة جزئية عاجزة عن الإحاطة بالقضية من جانبيها . وكلاهما مغالطة للواقع المحسوس .
إن تحميل الأمة الإسلامية مسئولية ما هي فيه اليوم ، لا ينفي أن الأعداء يتآمرون منذ قرون للقضاء على الإسلام .
والإقرار بوجود المؤامرة لا ينفي مسئولية الأمة عن حالتها التي وصلت إليها اليوم . وتصوير هذين الأمرين على أنهما نقيضان لا بد من نفي أحدهما لإثبات الآخر ، خلل في الرؤية يقع فيه كثير من الناس بوعي وبغير وعي .
الأمة تتحمل المسئولية كاملة عن تقصيرها وتقاعسها وإعراضها ، وقد حذرها رسولها صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرنا ونيفا من مصيرها الذي صارت إليه اليوم ، حين قال عليه الصلاة والسلام:"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها . قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل . ولينزعن الله المهابة من صدور أعدائكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن . قالوا: وما الوهن يا رسول الله ؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت" (1) .
وواضح من الحديث الإحاطة بالأمر من طرفيه معا: تقاعس الأمة ، وتكالب الأعداء ، وذلك من إعجاز الوحي:
(1) أخرجه أحمد وأبو داود .