تقول إن النجاح في الحياة الدنيا ليس في ذاته دليلا على أن أصحابه من الأخيار ، ولا أن منهجهم في الحياة الدنيا منهج صحيح . فقد يكونون من أشد الناس شرا وطغيانا وجبروتا ، ويكون نجاحهم في الحياة الدنيا - وهم في شرورهم تلك - استدراجًا لهم . ( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (1) .
وهذا التوجيه له أهمية خاصة بالنسبة لنا في أوضاعنا المعاصرة ، التي ابتلينا فيها بالغزو الفكري من ناحية ، والانبهار بما عند الغرب من ناحية أخرى . والظن بأنهم ما داموا أقوياء وممكنين في الأرض ، فلا بد أن يكون كل شيء عندهم حسنا ، بما فيه أفكارهم ونظمهم وتصوراتهم وسلوكياتهم .. وهو ظن باطل بطبيعة الحال ، والجاهلية الأوروبية المعاصرة هي وريثة الإمبراطورية الرومانية في براعاتها الحربية والسياسية والتنظيمية والعمرانية والمادية ، وخلوها في الوقت ذاته من القيم الأخلاقية ، وانطماس الجانب الروحي فيها . فإذا أبرزنا جاهلية الإمبراطورية الرومانية ، ورسوبها في مادة الرسوب الرئيسية ، فذلك ييسر لنا إبراز جاهلية الغرب اليوم ، على الرغم من التقدم الجبار الذي أحرزه في ميادين كثيرة من أمور الحياة الدنيا .
وفي الوقت نفسه تقول السنن الربانية إنه لا ارتباط على الإطلاق بين التقدم المادي والعلمي وبين الفساد الخلقي والانطماس الروحي ، وإن الله يتيح النجاح للمؤمنين ، المتبعين للمنهج الرباني - حين يتخذون الأسباب المناسبة - ويمكن لهم في الأرض بكل وسائل التمكين ، ويمنحهم في الوقت ذاته رضوانه في الدنيا والآخرة ، ففي الدنيا يفيض عليهم - بالإضافة إلى التمكين المادي - ( بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) وطمأنينة في قلوبهم ، وفي الآخرة جنات الخلد .
(1) سورة النحل [ 25 ] .