الصفحة 116 من 194

( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ) (1) .

ولكن انظر إلى ما ينفي ثباته ! إنه"القيم الإنسانية"بالذات: الدين والزواج والأسرة والأخلاق !

ولا يستحي دوركايم أن يجعل مرجعه في ذلك عالم الحيوان !

"أضف إلى ذلك إنه لم يقم قط برهان على أن الميل إلى الاجتماع كان غريزة وراثية وجدت لدى الجنس البشري منذ نشأته . وإنه لمن الطبيعي جدا أن ننظر إلى هذا الميل على أنه نتيجة للحياة الاجتماعية التي تشربت بها نفوسنا على مر العصور والأحقاب . وذلك لأننا نلاحظ في الواقع أن الحيوانات تعيش جماعات أو أفرادا تبعا لطبيعة مساكنها التي توجب عليها الحياة في جماعة أو تصرفها عن هذه الحياة" (2) .

فهل كان دوركايم يكتب عن علم الاجتماع البشري أم علم اجتماع الحيوان ؟!

إن أثر اللوثة الداروينية واضح عند دوركايم ، سواء في رجوعه الصريح في قضية الثابت والمتغير إلى عالم الحيوان ، أو في تصويره"للعقل الجمعي"الذي يؤثر في الأفراد من خارج كيانهم ، والذي يوازي غريزة القطيع عند الحيوان . ولا نستغرب إذن من صاحب هذا التفسير الحيواني للإنسان أن ينفي أصالة الدين والزواج والأسرة والأخلاق في فطرة الإنسان ، لأنها ليست أصيلة في عالم الحيوان !

القضية في أمر الثابت والمتغير لها مدخلان ينتهيان في النهاية إلى نتيجة واحدة: المدخل الأول هو المرجعية ، والمدخل الثاني هو مراجعة التاريخ .

لمن المرجعية في تقرير ما يجب أن يثبت ، وما يباح فيه التغيير ؟ أهي للخالق ، العليم الحكيم ، أم للإنسان الذي لا يخلق شيئا ، وهو محدود العلم والحكمة ؟

(1) سورة المؤمنون [ 71 ] .

(2) "قواعد المنهج"، المرجع السابق ص 173 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت